{ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ( 56 ) } .
51 - يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا .
الطيبات : ما يستطاب ويستلذ من المباحات في المأكل والفواكه .
هذا نداء من الله تعالى للرسل وأتباعهم ، بالأكل من الطيبات ، وهو ما تستطيبه النفس من الطعام والفاكهة ؛ بشرط أن يكون حلالا ، ويتبع الأكل من الطيبات ، العمل الصالح ؛ شكرا لله على النعمة ، وامتثالا لأمره تعالى ، حيث قدم الأكل من الطيبات على العمل الصالح .
إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ .
إني مطلع على جميع أعمالكم ، ومجازيكم بالإحسان إحسانا ، وبالسوء سوءا حيث لا يخفى علي شيء من أعمالكم . فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .
وقد حفلت كتب السنة الصحيحة بأهمية الأكل من الحلال الطيب وتأكيد ذلك ، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، كما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأكل من الحرام وحذر منه .
أخرج مسلم ، وأحمد ، والترمذي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا أيها الناس ، إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ . . . ( البقرة : 172 ) .
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر ، ومطمعه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، فأنى يستجاب له ) ؟ xviii .
وأخرج أحمد ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والحاكم ، عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس رضي الله عنها أنها بعثت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدح لبن حين فطره وهو صائم ، فرد إليها رسولها ، وقال : ( من أين لك هذا ) ؟ فقالت : من شاة لي ، ثم رده ، وقال : ( من أين هذه الشاة ) ؟ فقالت : اشتريتها بمالي ، فأخذه ، فلما كان من الغد أمته ، وقالت : يا رسول الله ، لم رددت اللبن ؟ فقال : صلى الله عليه وآله وسلم : ( أمرت الرسل ألا يأكلوا إلا طيبا ، ولا يعملوا إلا صالحا ) .
وجاء في بعض الأخبار : ( إن الله تعالى لا يقبل عبادة من في جوفه لقمة من حرام ) .
ولما بين أن عيسى عليه السلام على منهاج إخوانه من الرسل في الأكل والعبادة ، وجميع الأحوال ، زاد في تحقيق ذلك بياناً لمن ضل بأن اعتقد فيه ما لا يليق به ، فقال مخاطباً لجميعهم بعد إهلاك من عاندهم من قومهم على وجه يشمل ما قبل ذلك رداً لمن جعله موجباً لإنكار الرسالة ، وتبكيتاً لمن ابتدع الرهبانية من أمة عيسى عليه السلام ، إعلاماً بأن كل رسول قيل له معنى هذا الكلام فعمل به ، فكانوا كأنهم نودوا به في وقت واحد ، فعبر بالجمع ليكون أفخم له فيكون أدعى لقبوله : { يا أيها الرسل } من عيسى وغيره { كلوا } أنتم ومن نجيناه معكم بعد إهلاك المكذبين .
ولما علو عن رتبة الناس ، فلم يكونوا أرضيين ، لم يقل
{ مما في الأرض }[ البقرة : 168 ] وعن رتبة الذين آمنوا ، لم يقل
{ من طيبات ما رزقناكم }[ البقرة : 172 ] ليكنوا عابدين نظراً إلى النعمة أو حذراً من النقمة ، كما مضى بيانه في سورة البقرة ، بل قال : { من الطيبات } أي الكاملة التي مننت عليكم بخلقها لكم وإحلالها وإزالة الشبه عنها وجعلها شهية للطبع ، نافعة للبدن ، منعشة للروح ، وذلك ما كان حلاًّ غير مستقذر لقوله تعالى
{ يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث }[ الأعراف : 157 ] . ودل سبحانه على أن الحلال عون على الطاعة بقوله : { واعملوا صالحاً } أي سراً وجهراً غير خائفين من أحد ، فقد أهلكت عدوكم وأورثتكم أرضكم ، ولم يقيد عملكم بشكر ولا غيره ، إشارة إلى أنه لوجهه ليس غير ، فإنهم دائماً في مقام الشهود ، في حضرة المعبود ، والغنى عن كل سوى حتى عن الغنى ، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله : { إني بما } أي بكل شيء { تعملون عليم* } أي بالغ العلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.