تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} (8)

{ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد }

المفردات :

لا تزغ قلوبنا : لا تملها عن الحق .

من لدنك : من عندك .

التفسير :

8- { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إن هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } .

هذه الآية من تتمة كلام الراسخين في العلم فهو أمام المتشابه من القرآن يؤمنون به ويصدقون بأنه كلام الله وينحنون بعقولهم أمام كلام ربهم قائلين آمنا به كل من عند ربنا ثم يسترسلون في الدعاء سائلين الله الثبات على الحق والاستمرار على الهدى ولكن لن يكون ذلك إلا بتوفيق الله لهم .

و يذهب الشريف الرضى في تفسيره هنا إلى أنه دعاء بالتثبيت على الهداية وإمدادهم بالألطاف التي معها يستمرون على الإيمان وعلى طريق المعتزلة يسوق الشريف تفسيره في نطاق جدلي ينتهي إلى الجواب السليم فيجري تساؤلا بقوله وكيف يكون مزيغا لقلوبهم بألا يفعل اللطف ؟ ثم يتولى الإجابة قائلا :

من حيث كان المعلوم له متى قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقه زاغوا وانصرفوا عن الإيمان ويمضي شارحا ضاربا المثل قائلا : ويجري هذا مجرى قولهم :

اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا ومعناه لا تخل بيننا وبين من لا يرحمنا فيتسلط علينا .

{ و هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } هم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيء إلا بفضل الله ورحمته وإنهم لا يملكون قلوبهم فهي في يد الله . . . فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة .

روى ابن أ بي حاتم عن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ( 130 ) ثم قرأ : { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد أن هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } .

الوهاب : كثير الهبات والعطايا أي إنك أنت وحدك الوهاب لكل موهوب وفيه دليل على أن الهدى بتوفيق الله والضلال بعدم الإعانة منه لتقصير العبد في سلوكه سبيله وأنه المتفضل بما ينعم على عباده من غير أن يجب عليه شيء .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} (8)

ولما علم بذلك أن الراسخين أيقنوا أنه من عند الله المستلزم لأنه لا عوج{[15045]} فيه أخبر أنهم أقبلوا على التضرع إليه في أن يثبتهم بعد هدايته ثم أن يرحمهم ببيان ما أشكل عليهم بقوله حاكياً عنهم وهو في الحقيقة تلقين منه لهم لطفاً بهم{[15046]} مقدماً ما ينبغي تقديمه من السؤال في تطهير القلب عما لا ينبغي على طلب تنويره بما{[15047]} ينبغي لأن إزالة المانع قبل{[15048]} إيجاد المقتضي عين الحكمة{[15049]} : { ربنا } أي المحسن إلينا{[15050]} { لا تزغ قلوبنا } أي عن الحق .

ولما كان صلاح القلب صلاح الجملة{[15051]} وفساده{[15052]} فسادها وكان{[15053]} ثبات الإنسان على سنن الاستقامة من غير عوج أصلاً مما لم يجر به سبحانه وتعالى عادته لغير المعصومين{[15054]} قال نازعاً{[15055]} الجار مسنداً الفعل إلى ضمير الجملة : { بعد إذ هديتنا } إليه . وقال الحرالي : ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب ليترقوا من محلهم{[15056]} من التذكر إلى ما هو أعلى وأبطن انتهى . فلذلك قالوا : { وهب لنا من لدنك } أي أمرك الخاص بحضرتك القدسية ، الباطن عن غير خواصك { رحمة } أي فضلاً ومنحة منك ابتداء من غير سبب منا ، ونكرها تعظيماً بأن أيسر شيء منها يكفي الموهوب{[15057]} .

ولما {[15058]}لم يكن لغيره شيء{[15059]} أصلاً فكان{[15060]} كل عطاء من فضله قالوا وقال الحرالي : ولما كان الأمر اللدني ليس مما في{[15061]} فطر{[15062]} الخلق وجبلاتهم وإقامة حكمتهم ، وإنما هو موهبة من الله سبحانه وتعالى بحسب العناية ختم بقوله : { إنك أنت الوهاب * } وهي صيغة مبالغة من الوهب{[15063]} والهبة ، وهي العطية سماحاً من غير قصد من الموهوب{[15064]} انتهى .


[15045]:من ظ، وفي الأصل: حرج.
[15046]:من ظ، وفي الأصل: لهم.
[15047]:زيد بعده في ظ: لا.
[15048]:في ظ: مثل.
[15049]:في ظ: المحكمة.
[15050]:من ظ، وفي الأصل: إليها.
[15051]:زيد بين الحاجزين من ظ.
[15052]:من ظ، وفي الأصل: كانت.
[15053]:ن ظ، وفي الأصل: كانت.
[15054]:ي ظ: المقصومين ـ كذا بالقاف.
[15055]:ن ظ، وفي الأصل: بارعا.
[15056]:ن ظ، وفي الأصل: كلهم.
[15057]:ن ظ، وفي الأصل: للوهوب.
[15058]:ن ظ، وفي الأصل: لم تكن لغير حسيا.
[15059]:ن ظ، وفي الأصل: لم تكن لغير حسيا.
[15060]:في ظ، وفي الأصل: وكان.
[15061]:سقط من ظ.
[15062]:ن ظ، وفي الأصل: نظر.
[15063]:في ظ: الموهب.
[15064]:ن ظ، وفي الأصل: الموهب.