تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (100)

{ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ( 100 ) }

التفسير :

100 { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار . . . } الآية .

لما ذكر الله تعالى فضائل قوم من الأعراب ، ينفقون تقربا إلى الله تعالى ، ومن أجل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ أبان فضائل قوم أعلى منهم منزلة وأعظم ، وهي منازل السابقين الأولين .

فالسابقون الأولون من المهاجرين ، الذين هاجروا قبل صلح الحديبية ، فتقدموا على غيرهم في الهجرة والنصر ، وأفضل هؤلاء : الخلفاء الراشدون الأربعة ، ثم العشرة المبشرون بالجنة ، وأول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق وزير الرسول وأنيسه في الغار ، وأول الناس في الإيمان والهجرة والجهاد والبذل والنصرة136 .

والسابقون الأولون من الأنصار ، هم أصحاب بيعة العقبة الأولى في منى سنة 11 من البعثة ؛ وكانوا سبعة ؛ ثم أصحاب بيعة العقبة الثانية ، وكانوا سبعين رجلا وامرأتين ، والذين سارعوا إلى الإيمان عند قدوم مصعب بن عمير ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسله بعد البيعة الثانية ؛ لينشر الدعوة الإسلامية بين أهل المدينة ، وقيل : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار : هم الذين صلوا إلى القبلتين ، أو من حضر بيعة الرضوان .

{ والذين اتبعوهم بإحسان } .

أي : الذين اتبعوا السابقين في الإسلام من المهاجرين والأنصار ، إتباعا حسنا في أقوالهم وأعمالهم وجهادهم ؛ ونصرتهم لدعوة الحق .

قال الآلوسي : وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد بالسابقين الأولين : جميع المهاجرين والأنصار ، ومعنى كونهم سابقين : أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين .

ويلاحظ أن الإقتداء بالصحابة ، هو الإقتداء بإحسان ، أي : إحسان الأعمال والنيات ، والظواهر والبواطن .

{ رضي الله عنهم } . في إيمانهم وإخلاصهم ، فتقبل أعمالهم ورفع درجاتهم ، وتجاوز عن زلاتهم .

{ ورضوا عنه } . لقد منحهم الله الرضا والقناعة ، والسرور بمرضاة الله عنهم ، وبرضاهم عن ربهم وحبهم له .

قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب :

{ ورضوا عنه } . رضوان فوق رضوان من عند الله يحفهم به ، ويزيدهم نعيما إلى نعيم ؛ إذ جعل سبحانه رضاهم عنه بما أعطاهم معادلا لرضاه عنهم ، حتى لكأنه سبحانه وتعالى ، يتبادل الرضا معهم ، فيرضى عنهم ويرضون عنه ، فسبحانه ما أعظم لطفه ، وما أوسع فضله !

{ وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا } .

أي : وأعد لهم في الآخرة جنات تجري من تحت قصورها أو أشجارها الأنهار ، خالدين فيها خلودا أبديا . قال تعالى : { وما هم منها بمخرجين } . ( الحجر : 48 ) .

{ ذلك الفوز العظيم } .

هذا هو الجزاء الذي لا يعدله جزاء ، وهو الفوز الذي لا فوز يعدله أو يدانيه ؛ لقد آمنوا و ثبتوا وتحملوا وقوف الجاهلية في وجههم ؛ فاستحقوا رضوان الله في الدنيا ، وجنة خالدة في الآخرة ؛ وهذا هو الفوز العظيم .

وقد تكرر في القرآن الكريم الثناء على المهاجرين والأنصار ومن اقتفى أثرهم من التابعين إلى يوم الدين ، ومن أمثلة ذلك الآيات 8 10 من سورة الحشر وتبدأ بقوله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا . . . }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (100)

ولما ذكر القسم الصالح منهم وكانوا متفاوتين فمنهم{[37129]} السابق وأكثرهم التابع اللاحق ، أتبعه ذكر السابقين على وجه شامل حاصر لصنفي البادي والحاضر إشارة إلى أنه - وإن أخره - أصله فقد قدمه وصفه بحيث ساوى أهل الكمال في مطلق الانخراط في سلكهم والفوز بدرجتهم لإحسانه في اتباعهم ترغيباً لأهل القدرة والرحمة في اتباع أهل الرضوان والنعمة فقال : { والسابقون } ولما دل على سبقهم بالعلو في مراتبه{[37130]} دل على قديم دخولهم فيه فقال : { الأولون } أي إلى هذا الدين القيم { من المهاجرين } أي لدار الكفر فضلاً عن أهلها { والأنصار } أي الذين آووا ونصروا { والذين اتبعوهم } أي الفريقين { بإحسان } أي في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من طريقهم{[37131]} { رضي الله } أي الذي له الكمال كله { عنهم } أي بأفعالهم هذه التي هي وفق ما أمر به{[37132]} { ورضوا عنه } أي بما أتاهم عنه من البشرى{[37133]} وقذف في قلوبهم من النور بلطيف الوعظ{[37134]} والذكرى { وأعد لهم } أي جزاء على فعلهم { جنات تجري } ونبه على عموم ريّها وكثرة مائها بنزع الجار على قراءة الجماعة فقال : { تحتها الأنهار } أي هي كثيرة المياه . فكل موضع أردته نبع منه ماء فجرى منه نهر ؛ ولما كان المقصود من الماء إنما هو السهولة في إنباطه بقربه ويسر{[37135]} جريه وانبساطه أثبته{[37136]} ابن كثير دلالة على ذلك كسائر المواضع ، ولعل تخصيص هذا الموضع بالخلاف لأنه يخص هذه الأمة ، فلعلها تخص بجنة هي أعظم الجنان رياً وحسناً وزياً .

ولما كان أعظم العيوب الانقطاع ، نفاه بقوله : { خالدين فيها } وأكد المراد من الخلود بقوله : { أبداً } ثم استأنف مدح هذا الذي أعده لهم بقوله : { ذلك } أي الأمر العالي المكانة خاصة { الفوز العظيم* } .


[37129]:من ظ، وفي الأصل: فيهم.
[37130]:في ظ: معاتيه.
[37131]:في ظ: طريقه.
[37132]:زيد من ظ.
[37133]:من ظ، وفي الأصل: البسرى.
[37134]:في ظ: الوعد.
[37135]:من ظ، وفي الأصل: سير.
[37136]:في ظ: اتبعه.