ولما نبه سبحانه إلى خداعهم ، وأشار إلى عدم الاغترار بأيمانهم : أمر بترغيبهم مشيرا إلى الإعراض من عقوبتهم بقوله :
54 - قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ . . .
تولوا : أي : تتولوا ، بحذف إحدى التاءين .
أي : مرهم باتباع كتاب الله وسنة رسوله ، وفي هذا إيماء إلى أن ما أظهروه من الطاعة ليسوا منها في شيء .
ثم أكد الأمر السابق ، وبالغ في إيجاب الامتثال به ، والحمل عليه بالترغيب والترهيب بقوله :
فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ . . .
أي : فإن تتولوا عن الطاعة بعد أن أمركم الرسول بها ، فما ضررتم الرسول بشيء ، بل ضررتم أنفسكم ، لأنه عليه ما أمر به من تبليغ الرسالة وقد فعل ، وعليكم ما أمرتم به من الطاعة ، فإن أنتم لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم أنفسكم لسخط الله وعذابه ، وإن أطعتموه فقد خرجتم من الضلال إلى الهدى ، فالنفع والضرر عائدان إليكم .
وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ .
أي : وإن تطيعوا الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه ؛ تهتدوا إلى الحق الموصل إلى كل خير ، المنجي من كل شر ، وما الرسول إلا ناصح وهاد ومبلغ لكم ، فإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم أصبتم طريق الصواب ، وإن خالفتموه أوقعتم أنفسكم في الهلكة .
والخلاصة : أن الرسول فعل ما يجب عليه من أداء الرسالة ، وقد بقى ما يجب عليكم أن تفعلوه .
ونحو الآية قوله : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب . ( الرعد : 40 ) . وقوله : فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر . ( الغاشية : 21 ، 22 ) .
{ فإن تولوا } : أي فإن تتولوا أي تعرضوا عن الطاعة .
{ عليه ما حمّل } : أي من إبلاغ الرسالة وبيانها بالقول والعمل .
{ وعليكم ما حمّلتم } : أي من وجوب قبول الشرع والعمل به عقيدة وعبادة وحكما .
{ وإن تطيعوه تهتدوا } : أي وإن تطيعوا الرسول في أمره ونهيه وإرشاده تهتدوا إلى خيركم .
ثم أمر تعالى رسوله أن يقول لهم : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول في كل ما يأمران به وينهيان عنه ، { فإن تولوا } أي تعرضوا عن الطاعة وترفضوها ، فإنما على الرسول ما حمل من البلاغ والبيان ، وعليكم ما حملتم من وجوب الانقياد والطاعة ، ومن أخل بواجبه الذي أنيط به فسوف يلقى جزاءه وافياً عند ربه وقوله تعالى : { وإن تطيعوه تهتدوا } هذه الجملة عظيمة الشأن جليلة القدر للمؤمن أن يحلف بالله ولا يحنث على أن من أطاع رسول الله في أمره ونهيه لن يضل أبداً ولن يشقى فالهداية إلى كل خير كامنة في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقوله تعالى : { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } أي ليس على الرسول هداية القلوب ، وإنما عليه البلاغ المبين لا غير فلا تلحق الرسول تبعة من عصى فَضَلَّ وهَلَك .
- طاعة رسول الله موجبة للهداية لما فيه من سعادة الدارين ومعصيته موجبة للضلال والخسران .
ثم يأمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرشدهم إلى الطاعة الصادقة ، لا طاعتهم الكاذبة فيقول : { قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } طاعة ظاهرة وباطنة ، طاعة مصحوبة بصدق الاعتقاد ، وكمال الإخلاص ، فإن هذه الطاعة هى المقبولة منكم .
وقوله - سبحانه - { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ } تحذير لهم من التمادى فى نفاقهم وكذبهم .
أى : مرهم - أيها الرسول الكريم - بالطاعة الصادقة ، فإن توليتم - أيها المنافقون - عن دعوة الحق وأعرضتم عن الصراط المستقيم ، فإن الرسول الكريم ليس عليه سوى ما حملناه إياه . وهو التبليغ والإنذار والتبشير ، وأما أنتم فحذار أن تستمروا فى نفاقكم .
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى طريق الفوز والفلاح فقال : { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } . أى : وإن تطيعوا أيها المنافقون - رسولنا صلى الله عليه وسلم فى كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه ، تهتدوا إلى الحق ، وتظفروا بالسعادة .
وقوله - تعالى - : { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } تذييل مقرر لما قبله ، من أن مغبة الإعراض عائدة عليهم . كما أن فائدة الطاعة راجعة لهم .
أى : وما على الرسول الذى أرسلناه لإرشادكم إلى ما ينفعكم إلا التبليغ الواضح ، والنصح الخالص ، والتوجيه الحكيم .
وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة قد كشفت عن رذائل المنافقين ، وحذرتهم من التمادى فى نفاقهم ، وأرشدتهم إلى ما يفيدهم ويسعدهم ، كما وضحت ما يجب أن يكون عليه المؤمنون الصادقون من طاعة لله - تعالى - ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.