تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (283)

{ و إن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن آمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعلمون عليم }

المفردات :

و إن كنتم على سفر : أي مسافرين فعلا ولذا عبر بقوله : على سفر إشعارا بمباشرتهم له وتمكنهم منه تمكن الراكب مما يركبه .

فرهان مقبوضة : الرهان جمع رهن وهو ما يأخذه الدائن من الأعيان ذات القيمة ضمانا لدينه وهو في الأصل مصدر وشاع استعماله في العين المرهونة حتى أصبح حقيقة عرفية فيها .

التفسير :

283- { و إن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة . . . } لحظ في الآيات لونا من ألوان التدرج في التسريع فقد بين الله الكتابة في الديون والإشهاد عليها مطلوبان فإن تعذرت الكتابة والشهادة لسبب من الأسباب فإنه يترخص حينئذ بالرهن المقبوض .

و قد يتعمد الدائن على أمانة المدين وسلامة ذمته فيجب على المدين أن يقدر هذه الأمانة قال تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } ( النساء : 58 ) .

معنى الآية : وإذا كنتم أيها المتداينون مسافرين ولم تجدوا كاتبا يكتب بينكم الدين فالذي يستوثق به حينئذ رهان يقبضها الدائنون وتبقى عندهم حتى أداء الدين فترد إلى المدين .

و إذا أودع أحدكم آخر وديعة تكون أمانة عنده وقد اعتمد على أمانته فليؤد الوديع المؤتمن الأمانة عند طلبها وليخش الله الذي رباه وتولاه بالعناية حتى لا يقطع عنه نعمته في الدنيا والآخرة .

و لا تخفوا الشهادة بما علمتم إذا دعيتم لأدائها ومن يكتم الشهادة بالحق فهو آثم خبيث القلب والله مطلع على أعمالكم عليم بما تعملون من خير وشر وسيجازيكم عليها حسب ما تستحقون .

في أعقاب الآية :

1- أخذ مجاهد بظاهر الآية فلم يجز الرهن إلا في السفر وقيده الضحاك في السفر بفقدان الكاتب ولكن الراجح جواز الرهن سفرا وحضرا .

قال القرطبي : ولم يرو عن أحد منع الرهن في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود متمسكين بالآية ولا حجة فيها لهم ، هذا الكلام وإن خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره ( 98 ) .

2- روى البخاري ان النبي صلى الله عليه وسلم " رهن درعه في المدينة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير ( 99 ) . ومن الواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رهن درعه كان قيما ولم يكن مسافرا .

3- أخذ بعض الفقهاء من قوله تعالى : { فرهان مقبوضة } أن الرهن لا يتم إلا بالقبض فإذا افترق المتقاعدان من غير قبض كان الرهن غير صحيح بنص الآية وهذا مذهب الأحناف والشافعية ويرى المالكية والحنابلة أن الرهن يتم من غير القبض لأن القبض حكم من أحكامه فمن حق الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض العين المرهونة فالقبض حكم من أحكام العقد وليس ركنا من أركانه ولا شرطا لتمامه .

4- حث القرآن على أداء الشهادة بالحق قال تعالى :

{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } . ( النساء : 135 ) .

و هذه درة في جبين التربية الإسلامية وذليل على عناية القرآن بتكوين شخصية المسلم وتثبيت معالم الحق والفضيلة ومحاربة الجبن والرذيلة وقد نهى القرآن عن كتمان الشهادة .

و في هذه الآية :

{ ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قبله } . وقد نسب الإثم إلى القلب لأن كتمان الشهادة من أعمال القلب وإذا أثم القلب أثم صاحبه لأن العبرة بأفعال القلوب ولذا رفعت المؤاخذة عمن يفعل المعصية ناسيا لأنه لا قصد له فيها .

" ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه( 100 ) .

روى الشيخان ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " ( 101 ) .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (283)

شرح الكلمات :

{ السفر } : الخروج من الدار والبلد ظاهراً بعيداً بمسافة أربعة برد فأكثر .

{ ولم تجدوا كاتبا } : من يكتب لكم ، أو لم تجدوا أدوات الكتابة من دواة وقلم .

{ فرهان مقبوضة } : فاعتاضوا عن الكتابة الرهن فليضع المدين رهناً لدى الدائن .

{ فإن أمن بعضكم بعضا } : فلا حاجة إلى الرهن .

{ فلؤد المؤتمن أمانته } : أي فليعط الدين الذي أوتمن عليه حيث تعذَّرت الكتابة ولم يأخذ دائنه منه رهناً على دينه .

{ آثم قلبه } : لأن الكتمان من عمل القلب فنسب الإِثم إلى القلب .

المعنى :

لما أمر تعالى بالإشهاد والكتابة في البيوع والسَّلَم والقروض في الآيات السَّابقة أمر هنا - عند تعذّر الكتابة لعدم وجود كاتب أو أدوات الكتابة وذلك في السفر- أمر بالاستعاضة عن الكتابة بالرهن وذلك بأن يضع المدين رهناً لدى دائنه عوضا عن الكتابة يستوثق به دينه هذا في حال عدم ائتمانه ، والخوف منه ، وأمّا إن آمن بعضهم بعضا فلا بأس بعد الارتهان فقال تعالى : { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة . . } والرهان جمع رهن . وقال { فإن أمن بعضكم بعضا } فلم تأخذوا رهاناً { فليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه } في ذلك . ثم نهى تعالى نهياً جازماً الشهودّ عن كِتْمان شهادتهم فقال : { ولا تكتموا الشهادة . . } وبينّ تعالى عِظَم هذا الذنب فقال : { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه . . . } وأَعلم أنه عليم بما يعملونه فيجازيهم بعلمه ، وهو تهديد وعيد منه سبحانه وتعالى لكاتمي الشهادة والقائلين بالزور فيها . هذا المعنى الأولى ( 282 )

من الهداية :

- جواز أخذ الرهن في السفر والحضر توثيقا من الدائن لدينه .

- جواز ترك أخذ الرهن إن حل الأمن من سداد الدين وعدم الخوف منه .

- حرمة كتمان الشهادة والقول بالزور فيها وأن ذلك من أكبر الكبائر كما في الصحيح .