تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

وبعد أن حذر- سبحانه- المؤمنين من ولاية اليهود والنصارى ، عقب ذلك بنداء آخر وجهه إليهم ، وبين لهم فيه أن موالاة أعداء الله قد تجر إلى الارتداد عن الدين ، وأنهم إن ارتدوا ؛ فسوف يأتي الله بقوم آخرين لن يكونوا مثلهم ، وأن من الواجب عليهم أن يجعلوا ولايتهم لله ولرسوله وللمؤمنين . . . فقال تعالى : 54- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ . . . } الآية

المفردات :

يرتد : يرجع عما هو عليه .

أذلة : جمع ذليل ، لين رحيم ، متواضع لا بمعنى مهين . أي : رحماء متواضعين .

أعزة : أقوياء أشداء .

لومة : المرة من اللوم ، ولامه : كدره بالكلام ؛ لإتيانه مالا ينبغي .

التفسير :

54- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ . . . الآية . من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى الكفر وإنكار ما جاء به الإسلام من تكاليف .

فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ . بأناس آخرين

يُحِبُّهُمْ . يرضى عنهم إذا هداهم إلى خيري الدنيا والآخرة .

وَيُحِبُّونَهُ . ويحرصون على طاعته وينصرون دينه .

أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ . أي : يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ، ويظهرون الغلظة والشدة والترفع على الكافرين .

يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ . يجمعون بين المجاهد في سبيل الله ، وعدم خوف الملامة في الدين ، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان ، من الأزدراء بأهل الدين ، وقلب محاسنهم مساوئ ، ومناقبهم مثالب ؛ حسدا وبغضا وكراهية للحق وأهله {[266]} .

ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . أي : ما تقدم من الأوصاف العظيمة ، والفضائل الجليلة من محبة الله لهم ، ومحبتهم لله تعالى ، وحنوهم على المؤمنين ، والشدة على الكفار والجهاد في سبيل الله- دون خشية أحد- إنما هو لطف الله وإحسانه ، يتفضل بمنحه من يشاء من عباده ، وذلك بتوفيقه للعمل على تحصيله والحرص على التحلي به .

وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . كامل القدرة ، كثيرالأفضال ، كامل العلم ، محيط بكل شيء وقد تحدثت الآية عمن يرتدون قبل أن يقع ردتهم ، فكان ذلك إخبارا عن مغيبات ، وكان معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وإعجازا للقرآن الكريم ، وقد ارتد من العرب في أواخر عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق :

1- بنو مدلج : تحت رياسة الأسود العنسي تنبأ باليمن ، ثم فيروز الديلمي .

2- بنو حنيفة : أصحاب مسيلمة الكذاب وقد قتل في حروب الردة .

3- بنو أسد : قوم طلحة بن خويلد وقد هزم وهرب إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه .

وقد قيض الله أبا بدر الصديق فجهز الجيوش لقتال المرتدين ، واستطاع القضاء على هذه الفتنة ، وضم المسلمين بعد أن كادوا يتفرقون وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء القوم الذين يأتي الله بهم ، فقال بعضهم : أبو بكر الصديق ومن معه من المؤمنين .

وقال بعضهم : المراد بهم الأنصار .

وقال مجاهد : أهل اليمن .

وقال آخرين : كل من تنطبق عليه هذه الصفات الجليلة : فكل من أحب الله وأحبه الله ، وتواضع للمؤمنين وأغلظ على الكافرين وجاهد في سبيل الله دون أن يخشى أحدا سواه فهو منهم .


[266]:فتح القدير للشوكاني.
 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (54)

شرح الكلمات :

{ من يرتد } : أي يرجع إلى الكفر بعد إيمانه .

{ أذلة على المؤمنين } : أرقاء عليهم رحماء بهم .

{ أعزة عل الكافرين } : أشداء غلاظ عليهم .

{ لومة لائم } : عذل عاذل .

المعنى :

هذه الآية الكريمة ( 54 ) { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } تضمنت خبراً من أخبار الغيب التي يخبر بها القرآن فتتم طبق ما أخبر به فتكون آية أنه كلام الله حقاً وأن المنزل على رسوله صدقا فقد أخبر تعالى أن من يرتد من المؤمنين سوف يأتي الله عز وجل بخير منه ممن يحبون الله ويحبهم الله تعالى رحماء بالمؤمنين أشداء على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لوم من يلوم ، ولا عتاب من يعتب عليهم . وما إن مات الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ارتد فئات من أجلاف الأعراب ومنعوا الزكاة وقاتلهم أبو بكر الصديق مع الصاحبة رضوان الله عليهم حتى أخضعوهم للإِسلام وحسن إسلامهم فكان أبو بكر وأصحابه ممن وصف الله تعالى يحبون الله ويحبهم الله يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم ، وقد روي بل وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية وتلاها صلى الله عليه وسلم وأبو موسى الأشعري أمامة فأشار إليه وقال قوم هذا ، وفعلاً بعد وفاة الرسول جاء الأشعريون وظهرت الآية وتمت المعجزة وصدق الله العظيم ، وقوله تعالى : { ذلك فضل الله } الإِشارة إلى ما أولى أولئك المؤمنين من أبي بكر الصديق والصحابة والأشعريين من تلك الصفات الجليلة من حب الله والرقة على المؤمنين والشدة على الكافرين ، والجهاد في سبيل الله ، وقوله تعالى : { والله واسع عليم } أي واسع الفضل عليم بمن يستحقه . هذا ما دلت عليه الآية الأولى .

الهداية :

من الهداية :

- إخبار القرآن الكريم بالغيب وصدقه في ذلك فكان آية أنه كلام الله .

- فضيلة أبي بكر والصحابة والأشعريين قوم أبي موسى الأشعري وهم من أهل اليمن .

- فضل حب الله والتواضع للمؤمنين وإظهار العزة على الكافرين ، وفضل الجهاد في سبيل الله وقول الحق والثبات عليه وعدم المبالاة بمن يلوم ويعذل في ذلك .