تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا} (141)

المفردات :

يتربصون بكم : ينتظرون وقوع أمر بكم .

فتح من الله : نصر منه .

ألم نستحوذ عليكم : ألم نحطكم بعوننا ومساعدتنا .

التفسير :

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ . . . الآية

هذه الآية _وما بعدها _ تبين لنا بعض سمات المنافقين وصفاتهم ، التي كانوا عليها . وأول صفة ذكرت لهم ، هي التربص والانتظار ؛ لاستغلال الموافق استغلال الموافق استغلالا دنيئا لمصلحتهم . وهو ما بينه الله بقوله :

فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ . أي : فإن كان لكم نصر على أعدائكم _ بمعونة الله_ تزلفوا لك ، وراحوا يطالبون بالمغانم قائلين : ألم نكن معكم . بالعون حتى نصرتم على الأعداء ؟

وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ . من الغلبة في الحرب على المؤمنين .

قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ . . . أي : قال المنافقون للكافرين : ألم نحطكم بعوننا ومساعدتنا ، وإطلاعكم على أسرار المؤمنين ؛ حتى صارت لكم الغلبة عليهم .

وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ . أي : ندفع عنكم صولة المؤمنين بتثبيطنا إياهم ، وتباطئنا في معاونتهم ، وإشاعة الأخبار التي تهون قلوبهم ، وتضعف عزائمهم . فاعرفوا حقنا عليكم ، وهاتوا نصيبنا مما غنمتم .

فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : فهو مطلع على دخائل الجميع محقين ومبطلين ، فيثبت أولياءه المؤمنين المخلصين ، ويعاقب أعداءه المنافقين يوم الجزاء .

وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً . قال ابن كثير : أي : لن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية ، وإن حصل لهم ضفر في بعض الأحيان على بعض الناس ، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى :

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ . . ( غافر : 51 ) .

وعلى هذا يكون ردا على المنافقين فيما أملوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين ، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين ؛ خوفا على أنفسهم منهم ، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم كما قال تعالى : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ . . . ( المائدة : 52 ) .

وفسر بعض العلماء هذه الفقرة على أنها ستكون يوم القيامة ؛ قال الإمام علي : ( ( ذلك يوم القيامة ) ) .

وقيل : أنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين ما داموا عاملين بالحق غير راضين بالباطل ، ولا تاركين للنهي عن المنكر كما قال تعالى : وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . ( الشورى : 30 ) .

قال ابن العربي : وهذا نفيس جدا {[133]} .


[133]:فتح القدير للشوكاني 1/528.
 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا} (141)

{ الذين يتربصون بكم } وصف الله المنافقين بأنهم ينتظرون ما يحدث للمؤمنين من خير أو شر ، أو من نصر أو هزيمة . { فإن كان لكم فتح من الله }أي نصر منه وخير لكم { قالوا ألم نكن معكم }في الجهاد فأعطونا نصيبا من الغنائم . والفتح : النصر ، كالفتاحة . { وإن كان للكافرين نصيب }أي دولة وظهور على المؤمنين{ قالوا }للكافرين{ ألم نستحوذ عليكم }أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم{ ونمنعكم من المؤمنين }أي ألم ندفع المؤمنين عنكم بتخذيلهم ، ومراسلتنا إياكم بأخبارهم وأسرارهم ، فأعطونا نصيبا مما أصبتم منهم . والاستحواذ : الاستيلاء والغلبة .

يقال : استحوذ عليه ، أي غلب عليه .

{ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا }أي حجة يوم القيامة . وقيل في الدنيا ، فلا حجة لهم يغلبون بها المؤمنين ، لأنهم على الباطل والمؤمنين على الحق . والسبيل : الطريق ، وما يتوصل به إلى الشيء ، وأطلق على الحجة مجازا .