والذين جاءوا من بعدهم : الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام ، ويشمل جميع المؤيدين لدعوة الإسلام حتى آخر الزمان .
10- { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .
والصنف الثالث : فقراء المهاجرين إلى المدينة في أزمنة متلاحقة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها .
فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أولى الناس بأن يرعى النبي مصالحهم ويعطيهم من فيئه الخاص ، ومن الخمس الذي جعله الله لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .
وعلى هذا التصرف نشأ المجتمع الإسلامي في المدينة نشأة مثالية ، جعلت كل فرد فيه يبحث عن مصلحة إخوانه في هذا المجتمع قبل أن يفكر في مصلحة نفسه ، وفي مصلحة الدين الجديد قبل أن يبحث عن مصالح أهله وعياله ، وبهذه الروح العالية أقدموا على الحروب والفتوح في خلافة الراشدين ، فدان لهم العالم ، ونشروا رسالة الإسلام ومحاسنه في دنيا المادة والظلم والغش ، وحرمان الفقراء ، وأثرة الأقوياء ، فطهروا العالم القديم من أبشع جرائمه ، وأنشئوا روحا من الأخوة الإسلامية بين الأجناس والأقوام الذين كانوا على طول الدهر متعادين متخاصمين ، وبهذا تسنّى لهم أن يجمعوا تراث العالم القديم من المعرفة ، وعصارة حضارته المتعاقبة ومزجوا كل ذلك بتراث الإسلام ، فأخرجوا لأنفسهم حضارة جديدة قوامها العلم والدين ، وقد نعم بها العالم عدة قرون ، ولا يزال كثير من أمم الشرق يعيشون في ضوء هذه الحضارة ، حتى يوم الناس هذا . فأين ذلك كله من حال المجتمع المكي في بدء عصر الرسالة المحمدية ، وقد وبخهم الله بقوله : { كلا بل لا تكرمون اليتيم*ولا تحاضون على طعام المسكين*وتأكلون التراث أكلا لما*وتحبون المال حبا جما } . ( الفجر : 17-20 ) .
{ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 10 ) } .
والذين جاؤوا من المؤمنين من بعد الأنصار والمهاجرين الأولين يقولون : ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، واغفر لإخواننا في الدين الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا حسدًا وحقدًا لأحد من أهل الإيمان ، ربنا إنك رؤوف بعبادك ، رحيم بهم . وفي الآية دلالة على أنه ينبغي للمسلم أن يذكر سلفه بخير ، ويدعو لهم ، وأن يحب صحابة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ويذكرهم بخير ، ويترضى عنهم .
ثم مدح - سبحانه - كل من سار على نهج المهاجرين والأنصار فى قوة الإيمان ، وفى طهارة القلب ، وسماحة النفس فقال - تعالى - : { والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ . . } عطف عند الأكثرين أيضا على المهاجرين ، والمراد بهؤلاء : قيل : الذين هاجروا حين قوة الإسلام ، فالمجىء حسى ، وهو مجيئهم إلى المدينة ، وضمير من بعدهم ، للمهاجرين الأولين .
وقيل هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ، فالمجىء إما إلى الوجود أو إلى الايمان وضمير { مِن بَعْدِهِمْ } للفريقين : المهاجرين والأنصار .
وهذا هو الذى يدل عليه كلام عمر - رضى الله عنه - وكلام كثير من السلف كالصريح فيه ، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين .
ويبدو لنا أن هذا الرأى الثانى ، وهو كون الذين جاءوا من بعدهم يشمل المؤمنين الصادقين جميعا ، أقرب إلى الصواب ، لأنهم هم التابعون بإحسان للمهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : { والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ . . . } وعليه يكون المعنى : والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار ، واتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة { يَقُولُونَ } على سبيل الدعاء لأنفسهم ولإخوانهم فى العقيدة ، { رَبَّنَا اغفر لَنَا } أى : يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، واغفر ، لإخواننا فى الدين { الذين سَبَقُونَا بالإيمان } فهم أسبق منا إلى الخير والفضل . . { وَلاَ تَجْعَلْ } يا ربنا { فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ } أى : حسدا وحقدا { لِّلَّذِينَ آمَنُواْ } أى : يا ربنا لا تجعل فى قلوبنا أى غل أو حسد لإخواننا المؤمنين جميعا .
{ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } أى : يا ربنا إنك شديد الرأفة بعبادك واسع الرحمة بهم . وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن من حق الصحابة - رضى الله عنهم - على من جاءوا بعدهم ، أن يدعوا لهم ، وأن ينزلوهم فى قلوبهم منزلة الاحترام والتبجيل والتكريم . .
ورحم الله الإمام القرطبي فقد أفاض فى بيان هذا المعنى ، فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : { والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ . . . } يعنى التابعين ، ومن دخل فى الإسلام إلى يوم القيامة .
قال ابن أبى ليلى : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوأوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم ، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل .
وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة . .
وقال الإمام الرازي : واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون ، أو الأنصار ، أو الذين جاءوا من بعدهم ، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار ، أن يذكر السابقين ، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة ، فمن لم يكن كذلك ، بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين ، بحسب نص هذه الآية .
وبعد أن رسمت السورة الكريمة ، تلك الصورة الوضيئة للمهاجرين والأنصار والذين ابتعوهم بإحسان . . . بعد كل ذلك أخذت فى رسم صورة أخرى ، متباينة تمام المباينة مع صورة هؤلاء الصادقين ، ألا وهى صورة المنافقين ، الذين انضموا إلى كل مناوئ للدعوة الإسلامية ، فقال - تعالى - : { أَلَمْ تَرَ . . . } .
قوله : { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } وهؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم التابعون للمهاجرين والأنصار بإحسان إلى يوم الدين ، فهم المسلمون الذين يدخلون في الإسلام إلى يوم القيامة . وقد قيل : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوءوا الدار والإيمان أي الأنصار ، ثم الذين جاءوا من بعدهم . وهؤلاء قد مدحهم الله بدعائهم لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان . وهو قوله : { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } فهم يستغفرون لأنفسهم وللسابقين من المؤمنين . قال ابن عباس : أمر الله بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو يعلم أنهم سيفتنون . وقالت عائشة ( رضي الله عنها ) : أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسببتموهم . سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : " لاتذهب هذه الأمة حتى يعلن آخرها أولها " .
وعلى هذا فإنه لا يسب الصحابة أو أحدهم إلا فاسق ضال أو كاذب مغرور ، فإن من تقوى القلوب أن تذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يذكر ما شجر بينهم على سبيل التجريح أو التنديد أو التشهير .
قوله : { ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا } يعني طهر قلوبنا من الحقد والحسد فلا تجعل فيها بغضا أو حسدا لأحد من المؤمنين { ربنا إنك رؤوف رحيم } إنك يا ربنا شديد الرحمة بعبادك ترحم التائبين منهم والمستغفرين{[4504]} .