{ و إن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن آمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعلمون عليم }
و إن كنتم على سفر : أي مسافرين فعلا ولذا عبر بقوله : على سفر إشعارا بمباشرتهم له وتمكنهم منه تمكن الراكب مما يركبه .
فرهان مقبوضة : الرهان جمع رهن وهو ما يأخذه الدائن من الأعيان ذات القيمة ضمانا لدينه وهو في الأصل مصدر وشاع استعماله في العين المرهونة حتى أصبح حقيقة عرفية فيها .
283- { و إن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة . . . } لحظ في الآيات لونا من ألوان التدرج في التسريع فقد بين الله الكتابة في الديون والإشهاد عليها مطلوبان فإن تعذرت الكتابة والشهادة لسبب من الأسباب فإنه يترخص حينئذ بالرهن المقبوض .
و قد يتعمد الدائن على أمانة المدين وسلامة ذمته فيجب على المدين أن يقدر هذه الأمانة قال تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } ( النساء : 58 ) .
معنى الآية : وإذا كنتم أيها المتداينون مسافرين ولم تجدوا كاتبا يكتب بينكم الدين فالذي يستوثق به حينئذ رهان يقبضها الدائنون وتبقى عندهم حتى أداء الدين فترد إلى المدين .
و إذا أودع أحدكم آخر وديعة تكون أمانة عنده وقد اعتمد على أمانته فليؤد الوديع المؤتمن الأمانة عند طلبها وليخش الله الذي رباه وتولاه بالعناية حتى لا يقطع عنه نعمته في الدنيا والآخرة .
و لا تخفوا الشهادة بما علمتم إذا دعيتم لأدائها ومن يكتم الشهادة بالحق فهو آثم خبيث القلب والله مطلع على أعمالكم عليم بما تعملون من خير وشر وسيجازيكم عليها حسب ما تستحقون .
1- أخذ مجاهد بظاهر الآية فلم يجز الرهن إلا في السفر وقيده الضحاك في السفر بفقدان الكاتب ولكن الراجح جواز الرهن سفرا وحضرا .
قال القرطبي : ولم يرو عن أحد منع الرهن في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود متمسكين بالآية ولا حجة فيها لهم ، هذا الكلام وإن خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره ( 98 ) .
2- روى البخاري ان النبي صلى الله عليه وسلم " رهن درعه في المدينة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير ( 99 ) . ومن الواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رهن درعه كان قيما ولم يكن مسافرا .
3- أخذ بعض الفقهاء من قوله تعالى : { فرهان مقبوضة } أن الرهن لا يتم إلا بالقبض فإذا افترق المتقاعدان من غير قبض كان الرهن غير صحيح بنص الآية وهذا مذهب الأحناف والشافعية ويرى المالكية والحنابلة أن الرهن يتم من غير القبض لأن القبض حكم من أحكامه فمن حق الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض العين المرهونة فالقبض حكم من أحكام العقد وليس ركنا من أركانه ولا شرطا لتمامه .
4- حث القرآن على أداء الشهادة بالحق قال تعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } . ( النساء : 135 ) .
و هذه درة في جبين التربية الإسلامية وذليل على عناية القرآن بتكوين شخصية المسلم وتثبيت معالم الحق والفضيلة ومحاربة الجبن والرذيلة وقد نهى القرآن عن كتمان الشهادة .
{ ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قبله } . وقد نسب الإثم إلى القلب لأن كتمان الشهادة من أعمال القلب وإذا أثم القلب أثم صاحبه لأن العبرة بأفعال القلوب ولذا رفعت المؤاخذة عمن يفعل المعصية ناسيا لأنه لا قصد له فيها .
" ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه( 100 ) .
روى الشيخان ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " ( 101 ) .
وإن كنتم مسافرين ، ولم تجدوا من يحسن الكتابة ، فليكن ضمان الدَّين شيئاً من الرهن يأخذه الدائن من المدين . فإن كان الدائن يأمن المدين فلم يأخذ منه رهناً لحسن ظنه به ، فليؤدِّ الذي اؤتمن أمانته ويؤكّد حسن ظن الدائن . وإذا دُعيتم إلى الشهادة فلا تكتموها ، إن ذلك إثم كبير ، والله مطلع عليكم وهو خير الشاهدين .
قوله تعالى : ( وإن كنتم عل سفر ولم تجدوا كاتبا فرهانٌ مقبوضة فإن آمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ثم قلبه والله بما تعملون عليم ) ربما يتعذر على المرء أن يأتي بالكاتب ليكتب الدين ، وكثيرا ما يكون ذلك في حال السفر ، ويلحق بغياب الكاتب انعدام أدوات الكتابة مثل القرطاس والقلم والمداد . فإذا ما تعذر وجود شيء من ذلك وتعذرت الكتابة كان للدائن أن يستحصل من مدينه رهنا يقبضه يدا بيد ، وذلك حال انعقاد الدين في مجلس العقد . وقد صنع النبي ( ص ) مثل ذلك . فقد أهرج النسائي من حديث ابن عباس قال : توفي رسول الله ( ص ) ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير لأهله .
والرهان جمع ومفرده رهن وفعله رهن أي ثبت ودام واستمر ، والراهن هو الثابت الدائم المستمر ، نقول رهنته المتاع بالدين أي حبست متاعه إلى أن يؤدي ما عليه من دين{[370]} .
والراهن في الاصطلاح الشرعي كما عرفه القرطبي رحمه الله هو : احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفي الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم . وقد جعل الرهن بدلا عن الكتابة عند تعذرها وأغلب ما يكون في ذلك السفر والمقصود من الرهن توثيق الحقوق التي للدائنين عل المدينين ؛ كيلا يجحدوها أو تصيبهم فيها غفلة أو إهمال{[371]} .
ولا يجوز للمرتهن ( الدائن ) أن ينتفع بشيء من الرهن الذي أصبح بحوزته وما الرهن عنده إلا لتوثيق دينه فيطمئن . والمعلوم في مثل هذه المسألة أن دينا جرّ نفعا فهو حرام ؛ لصلته بالربا . وفي هذا الصدد يقول الرسول ( ص ) : " لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه ، له غنمه وعليه غُرمه " أي أن المال المرهون لا يخرج من ملكية صاحبه الراهن وهو المدين ليصبح مملوكا للمرتهن الدائن إذا لم يستطع الأول ( المدين ) أداء ما عليه من دين ، بل إن المرهون يظل مملوكا عل الدوام للمدين وعليه نفقته وله ثمرته ، وذلك معنى قوله : " له غنمه وعليه غرمه " أما أن يستعمل الدائن المرتهن ثمرة المرهون مادام عنده فذلك غير جائز لصلته بالربا{[372]} .
وقوله : ( فإن آمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه ) شرط وجوابه وجملة الشرط أمن بعضكم بعضا ، والجواب ليؤد الذي أؤتمن أمانته ، والفاء مقترن به . و ( الذي أؤتمن ) هو المدين الذي عليه الحق . والأمانة اسم لما يكون في الذمة والمراد أن المدين الذي عليه الحق إذا ائتمنه الدائن وكان موضع ثقته ، فعليه أن يكون في موضع الثقة والأمان بالفعل . وعليه بالتالي أن يؤدي ما في ذمته من حق للدائن دون مطل أو تقاعس ودون بخْس للأمانة التي في ذمته من حق للدائن دون مطل أو تقاعس ودون بخْس للأمانة التي في ذمته .
وشأن القرآن دائما وهو يبين للناس حدودهم وخطوط شريعتهم ألا يبرح حتى يخاطب في الإنسان فطرته وقلبه ؛ ليستنهض فيه الهمة ، ويثير فيه رهافة الحس ويقظة المشاعر ، فتظل على الدوام مبعثا للخير والاستقامة والعدل . يتجل ذلك فهي قوله سبحانه : ( وليتق الله ربه ) وذلك بعد إيجاب الأداء في أمانة وحق .
وقوله : ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) ينهى الله عن إخفاء الشهادة أو كتمانها ؛ لما في ذلك من إزهاق للحقوق وتضييع لها .
وقد أوضحنا سابقا أن الأصل في أداء الشهادة من حيث الحكم الشرعي هو الوجوب على الكفاية ، فإن كان الشهود كثيرين وتقدم منهم اثنان ليشهدا برئت ذمة الباقين جميعا ، لكنه إذا لم يكن من الشهود غير اثنين فقد تعين عليهما أن يؤديا الشهادة صونا للحق ، أو كانوا كثيرا لكن الحاكم لم يركن إلى غير اثنين منهم ليقوما بالشهادة ، فقد تعين عليهما أيضا أن يقوما لأدائها . فإذا لم يفعلا ذلك وامتنعا من أداء الشهادة وقعا في المحظور وهو كتم الشهادة ، ( ومن يكتمها فإنه ثم قلبه ) ( ومن ) اسم شرط جملته الجملة الفعلية ( يكتمها ) . والفاء بعدها مقترن بالجواب . والضمير في محل نصب اسم إن ، ( ثم ) خبر مقدم . ( قلبه ) مبتدأ مؤخر ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر إن . وقيل غير ذلك من وجوه الإعراب{[373]} .
والذي يكتم الشهادة عند الحاجة إليها عل النحو الذي بيناه يكون ثم القلب . ومن كان قلبه آثما فقد احتمل فسادا كبيرا وفسقا عن أمر الله .
قوله : ( والله بما تعملون عليم ) ذلك تحذير من الله للناس ؛ كيلا يكتموا الشهادة فتظل حبيسة في صدورهم فإنه سبحانه يعلم ما تكنه هذه الصدور وما تنثني عليه من فاسد الخبايا وإخفاء للشهادات{[374]} .