تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا} (83)

83

{ ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ( 83 ) إنا مكّنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا ( 84 ) فأتبع سببا ( 85 ) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ( 86 ) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا ( 87 ) وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ( 88 ) ثم أتبع سببا ( 89 ) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ( 90 ) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ( 91 ) ثم أتبع سببا ( 92 ) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ( 93 ) قالو يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ( 94 ) قال ما مكّني فيه رّبي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ( 95 ) آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا ( 96 ) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ( 97 ) قال هذا رحمة من ربّي فإذا جاء وعد ربّي جعله دكّاء وكان وعد ربّي حقا ( 98 ) وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ( 99 ) }

التفسير :

83- { ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا } .

أي : يسألك اليهود يا محمد عن قصة ذي القرنين ؛ حتى تخبرهم عن تاريخه وشأنه وأعماله .

{ قل سأتلو عليكم منه ذكرا } .

أي : سأقص عليكم من نبأه وقصته قرآنا ووحيا .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا} (83)

ذكراً : خبرا .

اختلف المؤرخون والمفسرون في شخصية ذي القرنين ، فقال كثير من المفسرين : إنه اسكندر المقدوني ، وفي تاريخ ملوك حمير واقيال اليمن أن ذا القرنين هو تبَّع بن شمر يرعش . . وأنه غزا بلاد الروم وأوغل فيها حتى وصل إلى وادي الظلمات .

وفي رواية أنه الصعب بن تبع بن الحارث ويلقب بذي القرنين ، وروايات كثيرة ، وكلها من باب الرجم بالغيب والظن الذي لا يغني عن الحق شيئا .

ويقول أبو الكلام أراد في كتابه عن ذي القرنين أنه « كورش الأكبر » مؤسس الأسرة الأخمينية والذي يقول العقاد إننا إذا أمعنا النظر في التاريخ نجد أن أوصافه تنطبق على ما وصف به القرآن ذا القرنين ، إذ كان ملهماً وفاتحا عظيما ، غزا الأرض شرقا وغربا وأقام سدا ليصد به هجمات المغيرين من « يأجوج ومأجوج » على بلاده . وأما اسكندر المقدوني فقد كان وثنيا معروفا بالقسوة والوحشية ، ثم إن الاسكندر لا يعقل أن يكون هو باني سور الصين ، فهو أولا لم يصل الصين ، بل عاد من الهند حيث تمرد عليه رجاله ، وأن سد الصين بني بعده بنحو مائة وعشرين سنة . ما بين سنة 246 - 209 قبل الميلاد وبانيه معروف وهو الملك « ش هو انجتي » . وطول سد الصين 2400 كيلو متر استغرق بناؤه سنين عديدة . وسيأتي الكلام على السد ومكانه قريبا .

يسألك بعض زعماء قريش أيها الرسول عن نبأ ذي القرنين فقل لهم سأقص عليكم بعض أخباره روي في سبب نزول سورة الكهف أن زعماء قريش أرسلوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وَصِفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . . فقال لهم اليهود : سلوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فهو رجل متقوِّل فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، ما كان من أمرهم ، فإنهم كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبيّ فاتبعوه . . . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، فأخبروهم بما قال اليهود . فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن هذه الأمور الثلاثة . فقال : أخبركم غدا عما سألتم ولم يَقُلْ إن شاء الله ، ومكث خمس عشرة ليلة لم يأته الوحي . فأرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه ! وشق ذلك على النبي الكريم ، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف . وهناك روايات أخرى في سبب النزول ولا يهمنا ذلك كله ، والمهم العبرة من القصص القرآني ويكفينا ذلك .