تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ} (38)

{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب38 } .

المفردات :

لكل أجل كتاب : الأجل : الوقت والمدة ، والكتاب : الحكم المعين الذي يكتب على العباد ؛ حسب ما تقتضيه الحكمة .

التفسير :

38 { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية . . . }الآية .

أرسل الله الرسل من البشر ومن شأن البشر أن يتزوجوا ويولد لهم الولد قال سبحانه : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } . ( الفرقان : 20 ) . ومن مقتضى هذه البشرية ؛ إتيان الزوجات ، وكفالة الأولاد .

ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل ، فلماذا ينكر عليه اليهود وغيرهم زواج النساء . روى : أن أعداء النبي محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : ما نرى لهذا الرجل همة إلا في النساء ، ولو كان رسولا من عند الله حقا ؛ لما اشتغل عن رسالاته بالنساء ؛ فرد الله عليهم بهذه الآية ، حيث قال سبحانه : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } . وفي هذا تذكير بما كان عليه داود وسليمان عليهما السلام ؛ حيث كانت لهما زوجات كثيرات وذرية كثيرة ، ولم يقدح ذلك في نبوتهما .

على أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصرت حياته الأولى على زوجة واحدة ، هي : السيدة خديجة ، فلم يتزوج عليها في حياتها ، وحين ماتت كان عمره يناهز الخمسين .

فحياته في مكة كلها ، كانت مع زوجة واحدة هي : السيدة خديجة ، ولما هاجر إلى المدينة حدثت ظروف ودواع ؛ اقتضت الإصهار إلى القبائل لمصلحة الإسلام ، فكان من الخير أن تتعدد زوجاته ؛ لأهداف متعددة ، وأغراض حكيمة لهذا التعدد ، وكان لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ، دور رئيس في بيان حياة الرسول الداخلية والخارجية ، وكانت عائشة رضي الله عنها تناقش الصحابة وتستدرك عليهم ، وتشرح وجهة نظرها لهم ، وكذلك بقية أمهات المؤمنين ، فكانت حكمة إلهية في زواجه عليه الصلاة والسلام ؛ تحقيقا لمعنى البشرية ، وتأكيدا لهذه القدوة العملية .

وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أما أنا فأصوم وأفطر ، وأقوم وأرقد ، وآكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )xl .

{ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } .

أي : ما صح ولا استقام لرسول من رسل الله ، أن يأتي لقومه بمعجزة إلا بإذن الله ومشيئته وحكمته ، وقد تضمنت الرد على المشركين ، حين اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم طائفة من المعجزات مثل : زحزحة جبال مكة ، وتسخير الرياح لهم ، وتفجير ينابيع الأرض . . .

{ ولكل أجل كتاب } .

لكل وقت من الزمان شرع كتبه الله يناسب حال أهله ، وينتهي بانتهاء الحاجة إلى هذا الشرع ؛ لذلك ذكر العلماء : أنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ؛ فقد أرسل الله موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام في أزمنة متعددة ، رأى الله سبحانه وجودهم في هذه الأزمنة لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون ، وهكذا أعمار الناس وآجالهم ، كلها كتبت في آجال ومدد معينة ، لا تقديم فيها ولا تأخير .

ولكل أمر قضاه الله أجل وموعد لا يتقدم عنه ولا يتأخر ، ولكل وقت من الأوقات كتاب . أي : حكم معين يكتب على الناس حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ} (38)

فيه مسألتان :

الأولى : قيل : إن اليهود عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج ، وعيرته بذلك وقالوا : ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح ، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء ، فأنزل الله هذه والآية ، وذكرهم أمر داود وسليمان فقال : " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية " أي جعلناهم بشرا يقصون ما أحل الله من شهوات الدنيا ، وإنما التخصيص في الوحي .

الثانية : هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحض عليه ، وتنهي عن التبتل ، وهو ترك النكاح ، وهذه سنة المرسلين كما نصت عليه هذه الآية ، والسنة واردة بمعناها ، قال صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ) الحديث . وقد تقدم في " آل عمران " {[9416]} وقال : ( من تزوج فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الثاني ){[9417]} . ومعنى ذلك أن النكاح يعف عن الزنى ، والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما الجنة فقال : ( من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه ) خرجه الموطأ وغيره .

وفي صحيح البخاري عن أنس قال : ( جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال الآخر : إني أصوم الدهر فلا أفطر . وقال الآخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم{[9418]} فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . خرجه مسلم بمعناه ، وهذا أبين .

وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال :( أراد عثمان أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا ، وقد تقدم في " آل عمران " {[9419]} الحض على طلب الولد والرد على من جهل ذلك . وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول : إني لأتزوج المرأة وما لي فيها من حاجة ، وأطؤها وما أشتهيها ، قيل له : وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : حبي أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي صلى الله عليه وسلم النبيين يوم القيامة ، وإني سمعته يقول : ( عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأحسن أخلاقا وأنتق أرحاما وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) يعني بقول : ( أنتق أرحاما ) أقبل للولد ، ويقال للمرأة الكثيرة الولد ناتق ؛ لأنها ترمي بالأولاد رميا . وخرج أبو داود عن معقل بن يسار قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال ، وإنها لا تلد ، أفأتزوجها ؟ قال " لا " ثم أتاه الثانية فنهاه ، ثم أتاه الثالثة فقال : ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) . صححه أبو محمد عبد الحق وحسبك .

قوله تعالى : " وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله " عاد الكلام إلى ما اقترحوا من الآيات - ما تقدم ذكره في هذه السورة - فأنزل الله{[9420]} ذلك فيهم ، وظاهر الكلام حظر ومعناه النفي ؛ لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه . " لكل أجل كتاب " أي لكل أمر قضاه الله كتاب عند الله ؛ قال الحسن . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، المعنى : لكل كتاب أجل ؛ قال الفراء والضحاك ، أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت ، ووقت معلوم ، نظيره . " لكل نبأ مستقر{[9421]} " [ الأنعام : 67 ] ، بين أن المراد ليس على اقتراح الأمم في نزول العذاب ، بل لكل أجل كتاب . وقيل : المعنى لكل مدة كتاب مكتوب ، وأمر مقدر لا تقف عليه الملائكة . وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال : لما ارتقى موسى صلوات الله عليه وسلامه طور سيناء رأى الجبار في إصبعه خاتما ، فقال : يا موسى ما هذا ؟ وهو أعلم به ، قال : شيء من حلي الرجال ، قال : فهل عليه شيء من أسمائي مكتوب أو كلامي ؟ قال : لا ، قال : فاكتب عليه " لكل أجل كتاب " .


[9416]:راجع ج 4 ص 72 فما بعد.
[9417]:روى ابن الجوزي في العلل "من تزوج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي" وراجع الحديث بطرقه في ج 2 كشف الخفا ص 239 ففيه بحث.
[9418]:من ي.
[9419]:راجع ج 4 ص 72، وج 6 ص 260 فما بعد.
[9420]:من ع.
[9421]:راجع ج 7 ص 11.