يوزعون : يحبس أولهم ليلحق آخرهم ، فيكونون مجتمعين لا يتخلف منهم أحد .
17-{ وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون }
كان لسليمان جيش كبير ، في غاية النظام والترتيب ، يصطف الإنس ثم الجن ، وتصطف الطير فوق رءوسهم لحمايتهم من وهج الشمس ، ولكل فئة من الثلاث قائد أو وازع ينظمهم ، ويحبس أوّلهم حتى يحضر آخرهم .
ومعنى : يُوزعُون . أي : يحبسون ويمنعون من المضي حتى يتلاحقوا ويجتمعوا .
والإيزاع : الحث على الوزع ، وهو الكفّ والمنع .
ومنه قول عثمان رضي الله عنه : ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن .
ومن لم يزعه لبّه وحياؤه *** فليس له من شيب فوديه وازع
لقد أعطى الله سليمان ملكا لم يعطه لأحد من بعده ، مثل ملك الجن والريح والطير ، استجابة لدعائه ، { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب*فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب*والشياطين كل بناء وغواص*وآخرين مقرنين في الأصفاد } [ ص : 35-38 ] .
وقال تعالى : { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير*يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات . . } [ سبأ 12 ، 13 ]
كل هذا الملك ، والجيوش المتعددة الأنواع ، ومعرفة لغة الطير ، وتسخير الجن ، والتفوق في القضاء ، قابله داود بالشكر والعرفان .
قال تعالى : { اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور } [ سبأ : 13 ]
وعندما رأى سليمان عرش بلقيس مستقرا عنده ، قال : { هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } [ النمل : 40 ]
جاء في أحكام القرآن لابن العربي –تعليقا على قول عثمان : ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن- قد جهل قوم المراد بهذا الكلام ، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن ، وهذا جهل بالله وحكمه وحكمته ، فإن الله تعالى ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق ، ولكن الظلمة خاسوا بها ، وقصروا عنها ، وأتوا ما أتوا بغير نية منها ، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها ، فلم يرتدع الخلق بها ، ولو حكموا العدل ، وأخلصوا النية ، لاستقامت الأمور ، وصلح الجمهور .
يتسابق العلماء الآن في معرفة لغة الطير والحيوانات ، وقد علمها الله تعالى لسليمان ، وأشار القرآن إلى تنظيم أمة النحل وأمة النمل ، وأمثالها من الأمم ، حيث قال تعالى : { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء . . } [ الأنعام : 38 ] .
وقد سبق القرآن الكشوف العلمية ، وأيدته المشاهدة ، فالنحل له ملكة تدبر أمره ، وتسوسه ، وبلغ من دقة إدراكه أنه يصنع بيوتا مسدسة الأضلاع لتجميع عسله فيها ، بمقاييس غاية في الدقة ، وبالجملة فدراسة مملكة النحل وأمته تحير الأفكار ، ومثلها النمل وجميع الكائنات الحية ، ومن أغرب المشاهدات تلك الطيور ، التي تقطع آلاف الأميال في موسم الشتاء طلبا للدفء والرزق ، ثم تعود أدراجها في مواسم معينة ، إلى نفس العش الذي تركته ، فوق مبنى أو فوق شجرة ، ولا تخطئ طريقها ، وكل طائفة تسير خلف نذيرها ومرشدها ، وهي تطير على هدى إدراك داخلي أقوى من [ الرادار ] ، لقد ألهمها الخالق سبحانه البحث عن رزقها ، والسير في الفضاء والهواء ، بإلهام من الله العلي القدير ، وتجد أنواعا من السمك ، تهاجر آلاف الأميال ، لتضع البيض ، ثم يفقس البيض ، ويتحول إلى سمك ، ويبدأ السمك رحلة العودة من حيث جاءت أصوله ، فسبحان الذي ألهم هذه الكائنات ، أسرار وجودها ، وطريقة حياتها ، ونظام معيشتها ، بما يفيد أن وراء هذا الكون البديع ، يدا حانية تحفظ وجوده ، وتدعّم تماسكه وتقدر أقواته ، وانظر إلى قوله تعالى : { قال فمن ربكما يا موسى*قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [ طه : 49 ، 50 ] .
وقال تعالى : { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } [ فصلت : 10 ] .
الأولى- قوله تعالى : " وحشر لسليمان " " حشر " جمع والحشر الجمع ومنه قوله عز وجل : " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " [ الكهف : 47 ] واختلف الناس في مقدار جند سليمان عليه السلام ، فيقال : كان معسكره مائة فرسخ في مائة : خمسة وعشرون للجن ، وخمسة وعشرون للإنس ، وخمسة وعشرون للطير ، وخمسة وعشرون للوحش ، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية . ابن عطية : واختلف في معسكره ومقدار جنده اختلافا شديدا غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيما ملأ الأرض ، وانقادت له المعمورة كلها . " فهم يوزعون " معناه يرد أولهم إلى آخرهم ويكفون . قال قتادة : كان لكل صنف وزعة في رتبتهم ومواضعهم من الكرسي ومن الأرض إذا مشوا فيها . يقال : وزعته أوزعه وزعا أي كففته . والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم . روى محمد بن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر قالت : لما وقف وسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى - تعني يوم الفتح - قال أبو قحافة وقد كف بصره يومئذ لابنته : اظهري بي على أبي قبيس . قالت : فأشرفت به عليه فقال : ما ترين ؟ قالت : أرى سوادا مجتمعا . قال : تلك الخيل . قالت : وأرى رجلا من السواد مقبلا ومدبرا . قال : ذلك الوازع يمنعها أن تنتشر . وذكر تمام الخبر . ومن هذا قوله عليه السلام : ( ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزيل الرحمة وتجاوز الله عنه الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر ) قيل : وما رأى يا رسول الله ؟ قال : ( أما أنه رأى جبريل يزع الملائكة ) خرجه الموطأ . ومن هذا المعنى قول النابغة :
على حين عاتبت المشيبَ على الصِّبَا *** وقلت ألما أصْحُ والشيب وازع
ولما تلاقينا جرت من جفوننا *** دموع وَزَعْنَا غَرْبَهَا بالأَصَابِعِ
ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى *** من الناس إلا وافرُ العقل كاملُه
وقيل : هو من التوزيع بمعنى التفريق . والقوم أوزاع أي طوائف . وفي القصة : إن الشياطين نسجت له بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم ، وكان يوضع له كرسي من ذهب وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب ، والعلماء على كراسي الفضة .
الثانية- في الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض ؛ إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم . وقال ابن عون : سمعت الحسن يقول وهو في مجلس قضائه لما رأى ما يصنع الناس قال : والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة . وقال الحسن أيضا : لابد للناس من وازع ، أي من سلطان يكفهم . وذكر ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن ، أي من الناس . قال ابن القاسم : قلت لمالك ما يزع ؟ قال : يكف . قال القاضي أبو بكر بن العربي : وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام ، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته . قال : فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق ، لا زيادة عليها ، ولا نقصان معها ، ولا يصلح سواها ، ولكن الظلمة خاسوا بها ، وقصروا عنها ، وأتوا ما أتوا بغير نية ، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها ، فلم يرتدع الخلق بها ، ولو حكموا بالعدل ، وأخلصوا النية ، لاستقامت الأمور ، وصلح الجمهور .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.