{ قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار16 } .
16 { قل من رب السماوات والأرض قل الله . . . } .
بعد أن بين سبحانه أن كل من في السماوات والأرض ، خاضع لقدرته ، منقاد لإرادته بالغدو والآصال ، اتجه في هذه الآية إلى مناقشة المشركين عن طريق السؤال والجواب .
والمعنى : قل لهم يا محمد : من رب هذه الأجرام العظيمة التي ترونها ، فيبهركم ما فيها من دقة وكمال وجمال ؟ ! ، فإذا تأخروا في الجواب ؛ عنادا أو مكابرة ؛ فقل لهم : الذي خلقها وأنشأها وسواها على أتم وضع هو الله ، وهذا جواب يتفق عليه السائل والمجيب ، بدليل قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله }( الزخرف : 87 ) .
{ قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } .
أي : إذا علمتم أن خالق هذا الكون البديع هو الله ؛ فلم اتخذتم لأنفسكم من دون الله معبودات هي جمادات ، لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ؟ ! فكيف تنفع غيرها أو تضر ؟ ! .
وإذا لم يكن لها القدرة على شيء من ذلك فعبادتها محض السفه ، الذي لا يرضاه لنفسه رشيد .
{ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور } .
أي : توجه بالسؤال إليهم يا محمد ، وقل لهم : هل يستوي الأعمى الذي لا يبصر ، والبصير الذي يرى ويهدي الأعمى إلى سواء الطريق ؟ ! .
لا شك أنهما غير مستويين ؛ فكذلك المؤمن الذي يبصر الحق فيتبعه ، ويعرف الهدى فيسلكه ، لا يستوي هو والكافر ، الذي أعرض عن الحق .
{ أم هل تستوي الظلمات والنور } .
أي : هل يستوي ظلام الكفر ونور الإيمان .
{ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } .
ترى أن الآية تلاحق المشركين بهذه الأسئلة فلا يجدون مناصا من الإذعان ؛ وكأنها تأخذ بتلابيبهم في أسلوب تبكيتي تهكمي ، فتقول : هل خلقت هذه الأصنام مخلوقات كما خلق الله ، فتشابه الخلق على المشركين ، فلم يستطيعوا التمييز بين خلق الله وخلق آلهتهم ؟ ! فيكون لهم بعض العذر في عباده هذه الأصنام ، ولكن الأمر ليس كذلك ؛ لأنهم جعلوا لله شركاء عاجزين لا يقدرون على شيء ، ثم بين فذلكة لما تقدم ، ونتيجة لما سبق من الأدلة والأمثال التي ضربت لها فقال :
{ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار } .
أي : قل لهم أيها الرسول الكريم : الله تعالى هو الخالق لكل شيء في هذا الكون ، وهو سبحانه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، { القهار } . لكل ما سواه ، والغالب لكل من غالبه .
{ 16 } { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }
أي : قل لهؤلاء المشركين به أوثانا وأندادا يحبونها كما يحبون الله ، ويبذلون لها أنواع التقربات والعبادات : أفتاهت عقولكم حتى اتخذتم من دونه أولياء تتولونهم بالعبادة وليسوا بأهل لذلك ؟
فإنهم { لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا } وتتركون ولاية من هو كامل الأسماء والصفات ، المالك للأحياء والأموات ، الذي بيده الخلق والتدبير والنفع والضر ؟
فما تستوي عبادة الله وحده ، وعبادة المشركين به ، كما لا يستوي الأعمى والبصير ، وكما لا تستوي الظلمات والنور .
فإن كان عندهم شك واشتباه ، وجعلوا له شركاء زعموا أنهم خلقوا كخلقه وفعلوا كفعله ، فأزلْ عنهم هذا الاشتباه واللبس بالبرهان الدال على توحد الإله بالوحدانية ، فقل لهم : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } فإنه من المحال أن يخلق شيء من الأشياء نفسه .
ومن المحال أيضا أن يوجد من دون خالق ، فتعين أن لها إلها خالقا لا شريك له في خلقه لأنه الواحد القهار ، فإنه لا توجد الوحدة والقهر إلا لله وحده ، فالمخلوقات وكل مخلوق فوقه مخلوق يقهره ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه ، حتى ينتهي القهر للواحد القهار ، فالقهر والتوحيد متلازمان متعينان لله وحده ، فتبين بالدليل العقلي القاهر ، أن ما يدعى من دون الله ليس له شيء من خلق المخلوقات وبذلك كانت عبادته باطلة .
قوله تعالى : { قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } .
المشركون مقرون بوجود الله سبحانه ، وأنه الخالق ، فإذا سألهم النبي صلى الله عليه وسلم { مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } فما لهم بد من أن يقولوا { الله } وإذا لم يقولوها ، بادرهم النبي صلى الله عليه وسلم الجواب { الله } تنفيذا لأمر الله له { قل الله } أي إذا لم يجيبوا فلقنهم يا محمد الجواب ؛ فإنه لا جواب غيره .
لقد كانت مشكلة الكافرين الكبرى قبل ظهور الإسلام ولدى ظهوره أنهم كانوا مولعين بحب الأصنام وتقديسها . لقد كانت هذه الحجارة الصماء ، وهذه الآلهة المصطنعة البلهاء مستحوذة على قلوبهم ومشاعرهم أيما استحواذ ، لكنهم مع ذلك ما كانوا ينكرون وجود الله الخالق البارئ . ما كانت لوثة الإلحاد الأسود لتطغى على فطرتهم وأذهانهم كما طغت على أمم ضالة جاءت حديثا وعقب الجاهلين الغابرين . هذه الأمم التي استشرت فيها نزغات الشياطين العتاة فأفسدت فيها الفطرة شر إفساد ، ومسخت طبائعها الآدمية وخصائصها الذهنية والنفسية والروحية أفظع مسخ . وألئك الذين انقلبوا على أعقابهم مرتكسين جاحدين بعد أن أغواهم دهاقنة الفكر الشيطاني الظلوم من أمثال ماركس وسارتر وفرود ونظائرهم من الشياطين الذين عاثوا في الدنيا تخريبا وإفسادا ، والذين قلبوا المعايير الفطرية رأسا على عقب فمضوا بالبشرية إلى حيث البهيمية الوضعية ؛ فانتكسوا بها إلى الهاوية من الدركات في أسفل سافلين ، وعندها تمحي منها كل ظواهر الإنسان المميز الراقي .
قوله : { قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا } بهذا على أن المشركون حينئذ كانوا معترفين بأن اله حق وإنه الخالق ؛ أي ما دمتم قد اعترفتم بأن الله حق فلم تعبدون غيره من الأنداد والشركاء الذين لا ينفعون ولا يضرون ولا يردون عن أحد كيدا ولا ينصرون ؟ ! . فهم ليسوا غير أشباح موهومة تصطف اصطفاف الحجارة الصامتة الخرساء .
قوله : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ } هذه واحدة من البدهيات المقررة المحققة وهي أن الأعمى والبصير لا يستويان . وذلك مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فإنهما لا يستويان ، لأن الأول مهتد مستنير ، والثاني ضال مضطرب متلجلج . المؤمن قد اهتدى للمحجة المستقيمة البيضاء ، لكن الثاني سادر في الظلام ، يمضي ثائها مضللا متعثرا .
قوله : { أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ } وهذا مثال آخر في الظلام البهيم ، والنور المشرق الوضاء . ومثل ذلك شأن الكفر بما يقتضيه من معاندة ومكابرة وجحود ، وبما يزجي غليه من هوى فاسد جامح لجوج . إن هذا الكفر بكل ضروبه وأشكاله ليس إلا الظلام الذي يتيه فيه العصاة والعتاة والمتمردون ، الذين يحادون الله ويكذبون أنبياءه ورسالاته ويجحدون دينه ومنهجه الذي ارتضاه لأهل الأرض .
وفي مقابل ذلك ، النور ، ويراد به الإيمان ، أو عقيدة الحق ، عقيدة الإسلام العظيم ، العقيدة السمحة الراسخة الودود التي تنبثق عنها خير شريعة عرفتها البشرية ، الشريعة الميسرة المعتدلة ، الوسط ، التي تتجلى فيها كل خصائص الصلاح والسعادة للإنسان .
قوله : { أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } { أم } ، المنقطعة بمعنى بل والهمزة . والاستفهام للإنكاري ؛ أي بل أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه . وقيل : معناه : أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق فالتبس عليهم خلق الله وخلق الشركاء ؟ وليس الأمر مثل ذلك من الاشتباه عليهم والالتباس ؛ بل إن الأمر بالغ الوضوح والاستبانة ، كامل اليقين والظهور ؛ فإن ما يعبده هؤلاء الضالون السفهاء لا يعي ولا يعقل ولا يريم أو يتبصر ؛ بل إن ما يعبدونهم ليسوا غير حطام مركوم من الأصنام الجوامد الصم . ولئن عبدوا فريقا من جبابرة الحكام أو طواغيت البشر ؛ فإن هؤلاء الطغاة المعبودين لا ينفعونهم بل يضرونهم ويستخفون أيما استخفاف ويستخسرون منهم استسخارا فيتخذون منهم الخدم والخول والعبيد والأراذل .
قوله : { قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } هذه يقينية كونية كبرى تتجلى في حقيقة الألوهية العظيمة ؛ بل إنها واحدة من صفات الله الواحد البارئ ، وهي الخلق . فما من موجود في هذا الوجود إلا هو مخلقو لله . ويستوي في المخاليق كل الأشياء ، ما كان منها غيبيا غير مشهود كالجن والملائكة والأرواح . أو كان حسيا مشهودا متناولا لكل الخلائق من بحار وأشجار وأنجم وأصنام وساسة وملوك ، كل أولئك قد خلقهم الله وحده . وليس له في هذه الخصيصة كفيء{[2337]} أو نديد { وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } أي الله هو الفرد الذي ليس معه ثان ؛ بل هو المتفرد بالألوهية . وهو القهار الذي يغلب ما سواه . فما من شيء سواه إلا هو مربوب له ومقهور{[2338]} .