{ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا( 41 ) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا( 42 ) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا( 43 ) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا( 44 ) } .
41- { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا }
كان أهل مكة أعرف الناس بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأمانته ، فقد مكث بينهم أربعين عاما قبل الرسالة . شاهدوا سلوكه ، وقبلوا حكومته بينهم في وضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة ، وقد كان أحسنهم صورة من ناحية الشكل والمظهر ، وأحسنهم أخلاقا من ناحية المعاني والمخبر ، وقد تحدّاهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، وحين جمعهم عند الصفا . وقال لهم : ( لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي . . ) ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذبا ، فقال لهم : ( والله الذي لا إله إلا هو ، إني لرسول الله إليكم خاصة ، وإلى الناس عامة ) ، فقال أبو لهب : تبا لك ، ألهذا جمعتنا ؟ 11 ، فأنزل الله تعالى : { تبت يدا أبي لهب وتب . . }إلى آخر السورة [ المسد : 1-5 ] .
إذا شاهدك كفار مكة ، سخروا منك ، وأنقصوا من قدرك ، واستهزءوا بك ، عنادا وسفها ومكابرة ، وقالوا ساخرين على سبيل التنقص والازدراء :
أي : أما وجد الله غير هذا اليتيم الفقير حتى يرسله رسولا .
ونحو هذه الآية قوله تعالى : { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمان هم كافرون* خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون } [ الأنبياء : 36-37 ] .
وفي هذا المعنى قال تعالى : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم*أهم يقسمون رحمة ربك . . } [ الزخرف : 31-32 ] .
{ 41 - 44 } { وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا }
أي : وإذا رآك يا محمد هؤلاء المكذبون لك المعاندون لآيات [ الله ]{[578]} المستكبرون في الأرض استهزءوا بك واحتقروك وقالوا -على وجه الاحتقار والاستصغار- { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } أي : غير مناسب ولا لائق أن يبعث الله هذا الرجل ، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم وقلبهم الحقائق فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول -حاشاه- في غاية الخسة والحقارة وأنه لو كانت الرسالة لغيره لكان أنسب .
{ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } فهذا الكلام لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم ، أو من أعظمهم عنادا وهو متجاهل ، قصده ترويج ما معه من الباطل بالقدح بالحق وبمن جاء به ، وإلا فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وجده رجل العالم وهمامهم ومقدمهم في العقل والعلم واللب والرزانة ، ومكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والعفة والشجاعة والكرم وكل خلق فاضل ، وأن المحتقر له والشانئ له قد جمع من السفه والجهل والضلال والتناقض والظلم والعدوان ما لا يجمعه غيره ، وحسبه جهلا وضلالا أن يقدح بهذا الرسول العظيم والهمام الكريم .
قوله تعالى : { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ( 41 ) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ( 42 ) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ( 43 ) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ( 44 ) } ( إن ) ، حرف نفي . و ( هزوا ) ، مفعول به ثان{[3325]} . والله جل وعلا يخبر عن المشركين الضالين أنهم كانوا إذا رأوا رسول الله ( ص ) سخروا منه وعابوه انتقاضا لقدره وازدراء بمقامه الكريم . مع أنهم موقنون في أعماق قلوبهم أن محمدا ( ص ) صادق وأنه كريم قد ميزه الله بخصائص جليلة لا نظير لها في الرجال . وهذه حقيقة قد استيقنتها أنفسهم ولكن كذبتها ألسنتهم التي يندلق منها بذاءة القول وسوء الحديث . وليس أدل على ثقتهم به وإدراكهم لحقيقة أمره ، من تسميتهم له قبل بعثه ، بالأمين . وفي ذلك يقص الله علينا خبر هؤلاء المكابرين المعاندين ( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ) الاستفهام للإنكار والتهكم . ( رسولا ) منصوب على الحال{[3326]} والإشارة إلى رسول الله ( ص ) على سبيل الاستصغار له والازدراء . فهم يقولون ذلك وهو على غاية الجحود والاستكبار والسخرية قبحهم الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.