البينات : المعجزات ، كالإنجيل و شفاء المرضى .
الحكمة : الشرائع المحكمة التي لا يستطاع نقضها ولا إبطالها ، أو بكل ما يؤدي إلى الإحسان .
تختلفون فيه : من الأمور الدينية .
63- { ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون } .
ولما جاء عيسى رسولا إلى قومه ومعه الإنجيل والمعجزات الواضحات ، مثل : شفاء المرضى ، وإحياء الموتى ، وإخبار قومه لما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم وغير ذلك ، قال لقومه : قد جئتكم بالحكمة ، أي بالتشريع المناسب لكم ، وما تقتضيه الحكمة الإلهية من الأوامر والنواهي .
{ ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه . . . } أي : من أمور الدين لا من أمور الدنيا ، فإن الرسل أرسلهم الله تعالى ليبينوا للناس شئون دينهم لا شئون دنياهم .
قال الطبري : يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية . اه .
كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ، وأنا أعلم بأمور دينكم )16 .
فقد رأى صلى الله عليه وسلم قوما يؤبرون النخل ، أي يلقحون طلع النخلة الأنثى بطلع النخلة الذكر ، فقال : ( لو تركوه لصلح ) فتركوه فشاص ، أي : جف ولم ينجب تمرا ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( إذا أمرتكم بشيء من أمر الدين فاتبعوه ، وإذا أمرتكم بشيء من أمر الدنيا فأنتم أعلم بشئون دنياكم )17 .
فالأنبياء لم يبعثوا لبيان طرق الفلاحة والتجارة وغيرها من شئون الدنيا ، وإنما بعثوا لبيان شرائع الله وأحكامه ، وبيان الحلال والحرام ، والآداب والعبادات والمعاملات .
لذلك قال عيسى : { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه . . . }
وقيل : المراد أنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه كطوائف مختلفة ، ولا يبين الكل حفاظا على حياته ، وعلى تحصيل قسط من القبول عندهم ، إتباعا للحكمة ، ورغبة في بيان جزء مقبول عندهم لا بيان كل مرفوض ، ومن حكم الدعاة قولهم : ( ليس كل ما يعلم يقال ، ولا كل ما يقال جاء وقته ، ولا كل ما جاء وقته حضر أهله ) .
وقريب من هذا المعنى ما ورد في الصحيح عن أحد الصحابة قوله : كان صلى الله عليه وسلم يتخوننا18 بالموعظة مخافة السآمة علينا والملل19 .
وفي آخر الآية : { فاتقوا الله وأطيعون } .
أي : راقبوا ربكم وأخلصوا له ، وأطيعوني كرسول مبلغ عن الله الهدى والتعاليم والشرائع والتكاليف .
{ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ } الدالة على صدق نبوته وصحة ما جاءهم به ، من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، ونحو ذلك من الآيات . { قَالَ } لبني إسرائيل : { قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ } النبوة والعلم ، بما ينبغي على الوجه الذي ينبغي . { وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } أي : أبين لكم صوابه وجوابه ، فيزول عنكم بذلك اللبس ، فجاء عليه السلام مكملا ومتمما لشريعة موسى عليه السلام ، ولأحكام التوراة . وأتى ببعض التسهيلات الموجبة للانقياد له ، وقبول ما جاءهم به . { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } أي : اعبدوا الله وحده لا شريك له ، وامتثلوا أمره ، واجتنبوا نهيه ، وآمنوا بي وصدقوني وأطيعون .
قوله تعالى : " ولما جاء عيسى بالبينات " قال ابن عباس : يريد إحياء الموتى وإبراء الأسقام ، وخلق الطير ، والمائدة وغيرها ، والإخبار بكثير من الغيوب . وقال قتادة : البينات هنا الإنجيل . " قال قد جئتكم بالحكمة " أي النبوة . قاله السدي . ابن عباس : علم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح . وقيل الإنجيل . ذكره القشيري والماوردي .
" ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه " قال مجاهد : من تبديل التوراة . الزجاج : المعنى لأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة .
قال مجاهد : وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه . وقيل : بين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على قدر ما سألوه . ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عنها . وقيل : إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم وأشياء من أمر دنياهم فبين لهم أمر دينهم . ومذهب أبي عبيدة أن البعض بمعنى الكل ، ومنه قوله تعالى : " يصبكم بعض الذي يعدكم " {[13664]} [ غافر : 28 ] . وأنشد الأخفش قول لبيد :
تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو تَعْتَلِقْ بعضُ النفوس حِمامها
والموت لا يعتلق بعض النفوس دون بعض . ويقال للمنية : علوق وعلاقة . قال المفضل البكري :
وسائلة بثَعْلَبة بن سَيْر{[13665]} *** وقد علِقت بثعلبةَ العَلُوقُ
وقال مقاتل : هو كقول : " ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم " {[13666]} [ آل عمران : 50 ] . يعني ما أحل في الإنجيل مما كان محرما في التوراة ، كلحم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت .
" فاتقوا الله " أي اتقوا الشرك ولا تعبدوا إلا الله وحده ، وإذا كان هذا قول عيسى فكيف يجوز أن يكون إلها أو ابن إله . " وأطيعون " فيما أدعوكم إليه من التوحيد وغيره .
قوله : { ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة } لما جاء عيسى بني إسرائيل بالحجج الظاهرة والمعجزات الباهرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من هيئته من الطين وإنزال المائدة من السماء والإخبار بالغيوب { قال قد جئتكم بالحكمة } أي جئتكم بالنبوة . وقيل : الإنجيل . وقيل : الحكمة هي المعرفة بذات الله وصفاته وأفعاله ، أو هي أصول الدين .
قوله : { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } يعني لأبين لبني إسرائيل بعض ما اختلفوا فيه من أحكام التوراة . أو مما اختلفوا فيه من الأمور الدينية والدنيوية . قوله : { فاتقوا الله وأطيعون } أي خافوا ربكم واعبدوه وحده واجتنبوا معاصيه وأطيعوني فيما أمربكم به ودعوتكم إليه من إفراد الله وحده بالعبادة والإذعان والخشوع .