قرارا : مكانا يقر عليه الإنسان وغيره ، بمعنى يستقرّ .
خلالها : بين جهاتها المختلفة .
حاجزا : مانعا بين العذب والملح حتى لا يبغي أحدهما على الآخر .
61- { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون }
من الذي جعل الأرض مستقرة ليتمكن الإنسان من الحياة عليها ، والاستفادة بخيراتها ، إن موقع الأرض ودورانها حول نفسها ، ودورانها حول الشمس ، وموقعها من القمر ، وحركة الشمس التي ترسل أشعتها على المحيطات فيتصاعد البخر ويتشكل السحاب والرياح ، والأمطار التي تصبّ بقدرة الله في مكان ، وتصرف عن مكان : كل هذا الإعمار والتقدير والتكامل في الكون لابد أن يلفت أنظاركم وعقولكم وتأملكم لتسألوا أنفسكم : من الذي بسط الأرض وجعلها قرارا ؟ من الذي سخر خلالها أنهارا ليشرب منها الإنسان والحيوان والنبات ؟ من الذي خلق الجبال الرواسي بحكمة عالية ، ونشرها على سطح الأرض لحفظ توازنها ، واحتباس الأمطار في رءوس الجبال في الشتاء ، ليستفيد منها الإنسان في الصيف ، وللجبال منافع عدة ، ففوق رءوسها هبطت الرسالات ، وفيها ملجأ للهارب ، وأمطارها وسيلة للسقي والريّ لوديان لا تصعد إليها المياه ، وغير ذلك من المنافع .
{ وجعل بين البحرين حاجزا . . }
أي : خلق المحيطات وفيها مياه مالحة لحياة السمك والمعادن واللآلئ والحيتان ، وسفر البواخر والبوارج ، ولو كانت مياهها عذبة لأنتنت وتلوث الهواء ، وجعل أنهار النيل ودجلة والفرات وغيرها من الأنهار للسقيا ونفع البلاد والعباد .
وهناك حاجز من قدرة الله بين العذب والملح ، فلا يطغى أحدهما على الآخر ، بل بينهما تكامل نظمته يد القدرة الإلهية ، قال تعالى : { مرج البحرين يلتقيان*بينهما برزخ لا يبغيان } [ الرحمان : 19 ، 20 ] أي خلق البحرين العذب والملح ، وجعل بينهما حاجزا من القدرة الإلهية ، فلا يطغى أحدهما على الآخر .
أي : أبعد كل هذه الأعمال الجليلة التي أبدعها الله وحده ، تعتقدون أن معه آلهة أخرى كالأصنام والأوثان ؟ والاستفهام هنا إنكاري لعبادتهم غير الله .
أي : أكثر هؤلاء الكافرين لا يعلمون ما يتحتم عليهم معرفته من العلم الحق ، الذي يوجب عليهم إخلاص عبوديتهم لله سبحانه وتعالى .
{ وَأَنزلَ لَكُمْ } أي : لأجلكم { مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ } أي : بساتين { ذَاتَ بَهْجَةٍ } أي : حسن منظر من كثرة أشجارها وتنوعها وحسن ثمارها ، { مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا } لولا منة الله عليكم بإنزال المطر . { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } فعل هذه الأفعال حتى يعبد معه ويشرك به ؟ { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } به غيره ويسوون به سواه مع علمهم أنه وحده خالق العالم العلوي والسفلي ومنزل الرزق .
أي : هل الأصنام والأوثان الناقصة من كل وجه التي لا فعل منها ولا رزق ولا نفع خير ؟ أم الله الذي { جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا } يستقر عليها العباد ويتمكنون من السكنى والحرث والبناء والذهاب والإياب . { وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا } أي : جعل في خلال الأرض أنهارا ينتفع بها العباد في زروعهم وأشجارهم ، وشربهم وشرب مواشيهم .
{ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أي : جبالا ترسيها وتثبتها لئلا تميد وتكون أوتادا لها لئلا تضطرب . { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ } البحر المالح والبحر العذب { حَاجِزًا } يمنع من اختلاطهما فتفوت المنفعة المقصودة من كل منهما بل جعل بينهما حاجزا من الأرض ، جعل مجرى الأنهار في الأرض مبعدة عن البحار فيحصل منها مقاصدها ومصالحها ، { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } فعل ذلك حتى يعدل به الله ويشرك به معه . { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فيشركون بالله تقليدا لرؤسائهم وإلا فلو علموا حق العلم لم يشركوا به شيئا .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم . فقال - تعالى - : { أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً } والقرار : المكان الذى يستقر فيه الإنسان ، ويصلح لبناء حياته عليه .
أى : بل قولوا لنا - أيها المشركون : من الذى جعل هذه بالأرض التى تعيشون عليها ، مكانا صالحا لاستقراركم ، ولحرثكم ، ولتبادل المنافع فيما بينكم ، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة .
ومن الذى { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ } أى : جعل فيما بينها { أَنْهَاراً } تجرى بين أجزائها ، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم ، وفى غير ذلك من شئون حياتكم . ومن الذى { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أى : جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت ، تحفظها من أن تضطرب بكم .
ومن الذى : { جَعَلَ بَيْنَ البحرين } أى : جعل بين البحر العذب والبحر الملح { حَاجِزاً } يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان .
ثم يأتى الاستفهام الإنكارى { أإله مَّعَ الله } ؟ أى : أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك ؟ كلا ، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك .
{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أى : بل أكثر هؤلاء المشركين ، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح ، لجهلهم ، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر .
وعبر بأكثرهم ، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق ، لكنها تنكره جحودا وعنادا .
قوله تعالى : { أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } .
جعل الله قرارا ، أي مستقرا . فكانت ساكنة ثابتة لا تتحرك بمن عليها أو تضطرب ليطيب عليها العيش وتستقيم الحياة . وقد زيّن الله الأرض بأنواع مختلفة من ظواهر الزينة لتزداد صلوحا وجمالا . إذ جعل الأنهار العذبة تتفجر من خلالها فيشرب منها العباد وتستقي الدواب والحرث .
قوله : { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } رواسي أو راسيات ، أي جبال ثابتة راسخة والمفرد راسي أو راسية{[3454]} . والمعنى : أن الله أرسى في الأرض جبالا ضخاما شواهق لتثبت بها وتستقر فلا تميد أو تتحرك أو تضطرب . ذلك أن الأرض إذا ما قيست بغيرها من الأجرام الكونية الهائلة فإنها بالغة الصغر والبساطة . وهي بذلك هينة خفيفة توشك أن تميد وتضطرب أو تتطاير في أجواز الفضاء لدى دورانها حول الشمس . لكن الجبال الهائلة الثقال أرست الأرض وثبتتها تثبيتا لتكون راسخة مستقرة متماسكة وهي تدور دورتها الرتيبة المنتظمة .
قوله : { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا } أي جعل الله بين المياه العذبة من أنهار وعيون وغيرها ، وبين البحار الملحة حاجزا وهو المانع من الأرض اليابسة والجبال الراسيات الشم ليحول دون اختلاط الماء من الصنفين .
ولا يقتصر المانع على الحواجز من الأرض والجبال ، بل يحتمل أن تكون الأسباب الكونية وظواهر الطبيعة كعوامل الجاذبية أو المد والجزر ضربا من ضروب الحاجز الذي يحول دون الاختلاط بين الماءين . وكيفما يكون الحاجز أو المانع فإن ذلك كله منن صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه .
قوله : { أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ } إذا تبين ذلك كله وثبت أن الله أتقن كل شيء وأودع في الطبيعة والكائنات نواميسها وقوانينها المنسجمة المؤتلفة المتكاملة ، فهل بعد ذلك من إله يستحق العبادة غير الله ؟
قوله : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } أكثر الناس لا يقدرون الله حق قدره ، ولا يدركون بالغ قدرة الله وعظيم جلاله وسلطانه .