تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا} (27)

{ واتل ما أوحي إليك من كتاب ربّك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا ( 27 ) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عنه ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فرطا ( 28 ) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشّراب وساءت مرتفقا ( 29 ) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ( 30 ) أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ( 31 ) }

المفردات :

لا مبدل : لا مغير .

لكلماته : لأحكامه ، فلا يستطيع أحد نسخ أحكام ما جاء في كتابه .

ملتحدا : أي : ملجأ تعدل إليه إذا ألمّت بك ملمّة .

27

‌27- { واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا } .

أسباب النزول :

تفيد كتب التفسير : أن هذه الآيات إلى قصة موسى والخضر ؛ نزلت في أشراف قريش ؛ حين طلبوا من النبي صلى الله عليه سلم أن يجلس معهم وحده ، ولا يجالسهم مع ضعفاء أصحابه ؛ كبلال ، وعمار ، وابن مسعود ، وليفرد أولئك بمجلس على حدة ؛ فنهاه الله عن ذلك ، وأمره أن يكثر من تلاوة القرآن ، وأن يجعل باب تعليم الرسالة والدعوة الإسلامية ، مفتوحا للجميع على السواء في جميع الأوقات للفقراء والأغنياء ، وهذا مبدأ سام في المساواة بين الناس ؛ فالأيمان يجمع بين الجميع ، وأكرم الناس عند الله أتقاهم29 .

{ واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك } .

أي : اقرأ يا محمد ما أوحاه إليك ربك من آيات الذكر الحكيم ؛ { لا مبدل لكلماته } . أي : لا يقدر أحد في الكون أن يبدل أو يغير كلام الله ؛ فقد تكفل الله بحفظ هذا الكتاب ؛ قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } . ( الحجر : 9 ) ، وقال تعالى : { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } . ( الأنعام : 115 ) .

{ ولن تجد من دونه ملتحدا } .

أي : لن تجد ملجأ أو حصنا للنجاة ؛ غير الله تعالى أبدا .

قال ابن جرير الطبري :

يقول : إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ؛ فإنه لا ملتجأ لك من الله ؛ كما قال تعالى : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته . . . } ( المائدة : 67 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا} (27)

ولما أخبر أنه تعالى ، له غيب السماوات والأرض ، فليس لمخلوق إليها طريق ، إلا عن الطريق التي يخبر بها عباده ، وكان هذا القرآن ، قد اشتمل على كثير من الغيوب ، أمر تعالى بالإقبال عليه فقال :

{ 27 } { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا }

التلاوة : هي الاتباع ، أي : اتبع ما أوحى الله إليك بمعرفة معانيه وفهمها ، وتصديق أخباره ، وامتثال أوامره ونواهيه ، فإنه الكتاب الجليل ، الذي لا مبدل لكلماته ، أي : لا تغير ولا تبدل لصدقها وعدلها ، وبلوغها من الحسن فوق كل غاية { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } فلتمامها ، استحال عليها التغيير والتبديل ، فلو كانت ناقصة ، لعرض لها ذلك أو شيء منه ، وفي هذا تعظيم للقرآن ، في ضمنه الترغيب على الإقبال عليه .

{ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا } أي : لن تجد من دون ربك ، ملجأ تلجأ إليه ، ولا معاذا تعوذ به ، فإذا تعين أنه وحده الملجأ في كل الأمور ، تعين أن يكون هو المألوه المرغوب إليه ، في السراء والضراء ، المفتقر إليه في جميع الأحوال ، المسئول في جميع المطالب .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا} (27)

قال الإِمام الرازى ما ملخصه : قوله - تعالى - : { واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ . . } اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى - عليه السلام - والخضر ، كلام واحد فى قصة واحدة وذلك أن أكابر كفار قريش احتجبوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء . . فنهاه الله عن طردهم لأنه مطلوب فاسد . . ثم إنه - سبحانه - أمره بالمواظبة على تلاوة كتابه ، وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين ، وتعنت المتعنتين .

قوله - سبحانه - : { واتل } . . . فعل أمر من التلاوة بمعنى القراءة .

أى : وعليك أيها الرسول الكريم - أن تواظب وتداوم على قراءة ما أوحيناه إليك من هذا القرآن الكريم ، وأن تتبع إرشاداته وتوجيهاته ، فإن فى ذلك ما يهديك إلى الطريق الحق ، وما يغنيك عن السؤال والاستفتاء ، قال - تعالى - : { إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ } وصيغة الأمر فى قوله - سبحانه - : { واتل . . } لإِبقاء الفعل لا لإِيجاده ، كما فى قوله - تعالى - : { اهدنا الصراط المستقيم } و " من " فى قوله { مِن كِتَابِ رَبِّكَ } بيانية .

وقوله : { لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } أى ليس فى هذا الكون أحد فى إمكانه أن يغير أو يبدل شيئا من الكلمات التى أوحاها الله - تعالى - إليك - أيها الرسول الكريم - ، لأننا قد تكفلنا بحفظ هذا الكتاب الذى أوحيناه إليك .

قال - تعالى - : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السميع العليم } وقال - سبحانه - { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } فالجملة الكريمة وهى قوله - سبحانه - { لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ } نفت قدرة أحد على تبديل كلمات الله ، لأن أخبارها صدق ، وأحكامها عدل ، وإنما الذى يقدر على التغيير والتبديل هو الله - تعالى - وحده .

والضمير فى { كلماته } يعود على الله - تعالى - ، أو على الكتاب .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } .

وأصل الملتحد : مكان الالتحاد وهو افتعال من اللحد بمعنى الميل . ومنه اللحد فى القبر ، لأنه ميل فى الحفر . ومنه قوله - تعالى - : { إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ . . } أى : يميلون فى آياتنا .

فالمراد بالملتحد : المكان الذى يميل فيه إلى ملجأ للنجاة .

والمعنى : وداوم أيها الرسول الكريم على تلاوة ما أوحيناه إليك من كتابنا الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، واعلم أنك إن خالفت ذلك لن تجد غير الله - تعالى - ملجأ تلجأ إليه ، أو مأوى تأوى إليه ، لكى تنجو مما يريده بك .

فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير الشديد - فى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم لكل من يقصر فى تلاوة كتاب الله ، أو يحاول التبديل فى ألفاظه ومعانيه .