تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء ( 18 ) } .

تمهيد :

تفيد الآية أن جميع العوالم خاضعة لقدرة الله ، وسلطانه طوعا وكرها .

التفسير :

18 - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء .

ألم تر : ألم تعلم .

يسجد له : يخضع له بما يراد منه ، وهو السجود بالتسخير والانقياد لإرادته تعالى ، وهناك سجود بالاختيار وهو خاص بالإنسان ، وبه يستحق الثواب ، وسجود بالتسخير والانقياد لإرادته سبحانه ، وهو دال على الذلة والافتقار إلى عظمته جلت قدرته .

من في السماوات : هم الملائكة .

ومن في الأرض : هم الإنس والجن .

وكثير من الناس : ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة ، فهو فاعل فعل مضمر .

وكثير حق عليه العذاب : وكثير منهم ثبت له العذاب وهم الكافرون .

ومن يهن الله : يجعله شقيا .

فما له من مكرم : فما له أحد يكرمه ويسعده .

إن الله يفعل ما يشاء : من الإهانة والإكرام .

ألم تشاهد أيها العاقل أن هذا الكون بكل ما فيه ، خاضع لله خضوع القهر والغلبة ، فقد سخر الله هذا الكون وأبدع نظامه ، وهو دال على وجود الخالق وعظمته ، ويسجد لله من في السماوات : من الملائكة والأبراج والأفلاك وغيرها ، ومن في الأرض : من الإنسان والجن وغيرهما ، ويسجد له أيضا : الشمس في مسارها وحركتها ، والقمر في سيره واختفائه ، والنجوم في ظهورها واختفائها ، والجبال تسجد خاضعة ، والشجر يسجد لله ، والحيوانات تسجد سجود تذلل وخضوع ، وكثير من الناس المؤمنين يسجدون لله سجود عبادة ، عن عقل وإرادة ، وكثير من الناس كفار جحدوا عبادته والسجود له ، فحق عليهم العذاب الدنيوي بالشقاء ، والأخروي في جهنم وبئس المصير .

ومن يهن الله بإبعاده عن الهداية ، والطمس عل قلبه ، فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ . فلن يستطيع أحد إسعاده أو إكرامه .

إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء .

مما تقتضيه حكمته وعدله ، فلا معقب لحكمه ، ولا معارض لمشيئته .

ملحق بتفسير الآية :

- أفرد الشمس والقمر والنجوم والجبال و الشجر والدواب بالذكر ، مع دخولها في عموم من يسجد لله تعالى ، في السماوات والأرض ، لأن الناس عبدوها مع الله ، مع أنها مخلوقة له ، وخاضعة لأحكامه .

قال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ . ( فصلت : 37 ) .

وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أتدري أي تذهب هذه الشمس ؟ ) قلت : الله ورسوله أعلم . قال : ( فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت )vii .

وهذا الحديث يدل على خضوع الشمس لأمر الله ، فإنها تستأذن عند الغروب أن تسجد لله فيؤذن لها ، ثم تستأذن الله في الشروق فيؤذن لها ، وعند قيام الساعة تستأذن في الشروق أو الغروب فلا يؤذن لها ، فذاك قيام الساعة وطلوع الشمس من مغربها ، وهو رمز لاختلال نظام الكون ونهاية الحياة الدنيا .

وقد أورد ابن كثير في تفسير هذه الآية طائفة من الأحاديث النبوية من بينها ما يأتي :

أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله ، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له )viii .

والكسوف والخسوف ظاهرتان طبيعيتان ، تدلان على أن كل شيء في هذا الكون له نظام محكم مرتب ، سخره الله ويسره ، وهذا رمز تجلى الله لهذه المخلوقات ، أي تقديره لها وتسييره لها بالنظام الدقيق ، وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين و الشمائل .

- روى الترمذي وابن ماجة وابن حبان ، عن ابن عباس قال :

جاء رجل فقال : يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة ، فسجدت ، فسجدت الشجرة لسجودي ، فسمعتها وهي تقول : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا ، وضع عني بها وزرا ، واجعلها لي عندك ذخرا ، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود . قال ابن عباس : فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سجدة ثم سجد ، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرةix .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد لها ؛ اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار )x .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

ثم بين - سبحانه - أن الكون كله يخضع لسلطانه - تعالى - ويسجد لوجهه فقال : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ . . . } .

الاستفهام فى قوله { أَلَمْ تَرَ . . . } للتقرير . والرؤية هنا بمعنى العلم وذلك لأن سجود هذه الكائنات لله - تعالى - آمنا به عن طريق الإخبار دون أن نرى كيفيته .

والسجود فى اللغة : التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وما يشبهه . وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة .

والمراد به هنا : دخول الأشياء جميعها تحت قبضة الله - تعالى - وتسخيره وانقيادها لكل ما يريده منا انقيادا تاماً ، وخوضعها له - عز وجل - بكيفية هو الذى يعلمها . فنحن نؤمن بأن هذه الكائنات تسجد لله - تعالى - ونفوض كيفية هذا السجود له - تعالى - .

والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - يسجد له ، ويخضع لسلطانه جميع من فى السموات وجميع من فى الأرض .

وقوله : { والشمس والقمر والنجوم } عطف خاص على قوله : { مَن فِي السماوات } .

ونص - سبحانه - عليها مفرداً إياها بالذكر ، لشهرتها ، ولاستبعاد بعضهم حدوث السجود منها ، ولأ آخرين كانوا يعبدون هذه الكواكب ، فبين - سبحانه - أنها عابدة وساجدة لله ، وليست معبودة .

وقوله - تعالى - : { والجبال والشجر والدوآب } عطف خاص على { مَن فِي الأرض } ونص - سبحانه - عليها - أيضاً - لأن بعضهم كان يعبدها ، أو يعبد ما يؤخذ منها كالأصنام .

وقوله - تعالى - { وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس } بيان الذين اهتدوا إلى طريق الحق . أى : ويسجد له - كذلك - كثير من الناس ، وهم الذين خلصت عقولهم من شوائب الشرك والكفر ، وطهرت نفوهسم من الأدناس والأوهام .

وقوله : { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب } بيان لحال الذين استحبوا العمى على الهدى .

أى : وكثير من الناس حق وثبت عليهم العذاب ، بسبب إصرارهم على الكفر ، وإيثارهم الغى على الرشد .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على نفاذ قدرته ، وعموم مشيئته فقال : { وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } . و " من " شرطية ، وجوابها : " فما له من مكرم " ومكرم اسم فاعل من أكرم .

أى : ومن يهنه الله ويخزه ، فما له من مكرم يكرمه ، أو منقذ ينقذه مما هو فيه من شقاء ، إن الله - تعالى - يفعل ما يشاء فعله بدون حسيب يحاسبه ، أو معقب يعقب على حكمه .

قال - تعالى - : { والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحساب }