تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

المفردات :

ولا تنازعوا : ولا تختلفوا .

تفشلوا : تجنبوا وتضعفوا . والفشل في الأصل : الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر وأكثر أسبابه : الضعف والجبن ولذلك فسروه هنا بهما .

تذهب ريحكم : تذهب قوتكم .

46 – { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .

هذه الآية معطوفة على ما قبلها ، حيث يرسم الحق سبحانه لعباده المؤمنين طريق النصر ، فأمرهم بالثبات وبذكر الله تعالى ، في الآية السابقة .

وعطف هذه الآية على ما سبق ، فأمرهم بطاعة الله ورسوله ، والتزام أوامرهما ، والابتعاد عما نهى الله ورسوله عنه .

وطاعة الله باب من أبواب السعادة الدنيوية والأخروية ، فمن وجد الله ؛ وجد كل شيء ، ومن فقد الله ؛ فقد كل شيء . وقد روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله عز وجل :

" ما تقرب عبدي إلى بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته ؛ كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن دعاني ؛ لأجيبنّه ، ولئن سألني ؛ لأعطينه " xxxvi .

النزاع

تنهى الآية عن التنازع والاختلاف ، وعندما تختلف طوائف الأمة ، ويحاول كل طرف أن ينزع ما في يد الطرف الآخر ؛ يأتي باب الفشل والإحباط والاصطدام ، فتنحط الدولة ، وتذهب ريحها ، وهو كناية عن دوال دولتها ، واضمحلال أمرها .

ومن كلام العرب : هبت ريح فلان ؛ إذا دالت له الدولة ، وجرى أمره على ما يريد ؛ وركدت ريح فلان ؛ إذا ولت عنه وأدبر أمره . قال الشاعر :

إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون متى يكون ؟

ثم تأمر الآية بالصبر ؛ فالصبر طريق الظفر ، وقد ذكر الصبر في القرآن الكريم في أكثر من سبعين موضعا . والصبر من المؤمن بمنزلة الرأس من الجسد ، من لا صبر له ؛ لا إيمان له ، ومن لا رأس له ؛ لا جسد له . قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . ( آل عمران : 200 ) .

ويكفي أن الله وعد الصابرين بأن يكون معهم بالعون والتأييد والنصر ؛ فقال سبحانه : { إن الله مع الصابرين } .

وبذلك ترى أن الله تعالى يعلّم عباده المؤمنين السبيل إلى النصر ؛ فيأمرهم بما يأتي :

1 – الثبات عند اللقاء .

2 - ذكر الله ذكرا كثيرا في شدة البأساء .

3 – طاعة الله ورسوله .

4 – البعد عن التنازع والاختلاف .

5 – الصبر ، وإعداد العدة ، والتضحية بالنفس والمال .

وهي في جملتها عوامل أساسية في ترابط بنيان الأمة ، وقوة شأنها ، وانتصارها على أعدائها .

قال الإمام ابن كثير في تفسيره لهاتين الآيتين ما يأتي :

وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة ، والائتمار بما أمرهم الله ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد ممن بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم ، من الروم والفرس ، والترك والصقالبة والبربر ، والحبوش ، وأصناف السودان ، والقبط وطوائف بني آدم ؛ قهروا الجميع حتى علت كلمة الله ، وظهر دينه على سائر الأديان ، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ، في أقل من ثلاثين سنة ، فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وحشرنا في زمرتهم ، إنه كريم وهابxxxvii .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ْ } في استعمال ما أمرا به ، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال .

{ وَلَا تَنَازَعُوا ْ } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها ، { فَتَفْشَلُوا ْ } أي : تجبنوا { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ْ } أي : تنحل عزائمكم ، وتفرق قوتكم ، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة اللّه ورسوله .

{ وَاصْبِرُوا ْ } نفوسكم على طاعة اللّه { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ْ } بالعون والنصر والتأييد ، واخشعوا لربكم واخضعوا له .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

وقوله { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } معطوف على ما قبله ، أى : اثتبوا عند لقاء الأعداء ، وأكثروا من ذكر الله ، وأطيعوا الله ورسوله في كل أقوالكم وأعمالكم ، وفى سركم وجهركم ، وفى كل ما تأتون وما تذرون .

وقوله { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } نهي لهم عن الاختلاف المؤدى إلى الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله وطاعته .

وقوله { تَنَازَعُواْ } من النزع بمعنى الجذب وأخذ الشئ . . . والتنازع والمنازعة المجاذبة كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر ويلقى به .

والمراد بالتنازع هنا : الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى الفشل أى : الضعف .

قال الآلوسى : وقوله : { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ، قال الأخفش : الريح مستعارة للدولة . لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه ، ومن كلامهم هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد . وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره . قال الشاعر :

إذا هبت رياحك فاغتنمها . . . فإن لكل خافقة سكون

ولا تغفل عن الإِحسان فيها . . . فما تدرى السكون متى يكون

والمعنى : كونوا - أيها المؤمنون - ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته عند لقاء الأعداء ، ولا تنازعوا وتختصموا وتختلفوا ، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الفشل أي الضعف ، وإلى ذهاب دولتكم ، وهوان كلمتكم ، وظهور عدوكم عليكم .

{ واصبروا } على شدائد الحرب ، وعلى مخالفة أهوائكم التي تحملكم على التنازع ، { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } بتأييده ومعونته ونصره .

هذا والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للؤمنين في كل زمان ومكان الطريق التي توصلهم إلى الفلاح إلى النصر أكثرهما ثباتا .

وتأمران بمداومة ذكر الله ، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإِنسان بخالقه الذي بيده كل شئ ، ومتى حسنت صلة الإِنسان بخالقه ، صغرت في عينه قوة أعدائه مهما كبرت .

وتأمران بطاعة الله ورسوله ، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية ، وبنفوس صافية . . لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل ، وذهاب القوة . . ويأمران بالصبر ، أي بتوطين النفس على ما يرضى الله ، واحتمال المكاره والمشاق في جلد . وهذه الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته .

ورحم الله الإِمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريميتن : " هذا تعليم من الله - تعالى - لعباده - المؤمنين آداب اللفاء ، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء " .

وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظر في بعض أيامه التي لقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال : يأيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف . ثم قام وقال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم " .

وفى الحديث الآخر المرفوع يقول الله - تعالى - " إن عبدى كل عبدى الذي يذكرنى وهو مناجز قرنه " أى : لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائى واستعانتى .

وعن قتادة في هذه الآية : " افترض الله ذكره عند اشتغل ما يكون . الضرب بالسيوف " .

ثم قال : " وقد كان للصحابة - رضى الله عنهم - في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد من بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا ، في المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس . . قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان ، وامتدت الممالك الاسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين ، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب .