يشرون : يبيعون ؛ لأن شري : من كلمات الأضداد .
74- فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ . . .
كان القرآن ينزل في أعقاب غزوة أحد يأسوا جراح المؤمنين ، ويبارك جهاد المجاهدين ، ويبين أن الأيام دول ، وأن المؤمن يمتحن ويبتلى ولكن العاقبة للمتقين .
ورد في الآيتين السابقتين ذكر القرآن طائفة من المنافقين تبطئ عن الجهاد ، وتثبط المؤمنين عنه ، فإذا انهزم المؤمنون ؛ فرحوا وشمتوا وإذا انتصر المؤمنون ندموا على تخلفهم عن القتال ؛ لحرمانهم من الغنائم .
وفي هذه الآيات يأمر الله المؤمنين بالقتال في سبيله ، والأمر موجه إلى من باعوا الحياة الدنيا ؛ طلبا لثواب الآخرة . وجادوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله ؛ وتقدير الكلام : إذا تباطأ المنافقون عن الجهاد ؛ فليسرع إليه المؤمنون الصادقون .
''إن المسلم لا يقاتل لمجد شخصي ، ولا لمجد بيت ، ولا لمجد طبقة ، ولا لمجد دولة ، ولا لمجد أمة ، ولا لمجد جنس ، إنما يقاتل في سبيل الله ؛ لإعلاء كلمة الله في الأرض ، ولتمكين منهجه من تصريف الحياة'' {[14]} .
وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل الله بقصد إعلاء كلمة الله ، وتمكين منهجه في الحياة ، ثم يقتل ؛ يكون شهيدا فينال مقام الشهداء عند الله ، فإذا انتصر على العدو كان له ثمرة النصر ، وجزاؤه الغنيمة في الدنيا ، و الأجر العظيم في الآخرة .
وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا .
والمقاتل في سبيل الله بين غايتين : الاستشهاد في سبيل الله ، أو النصر على الأعداء ، ولا ذكر للهزيمة في الآية الكريمة ؛ لأن المؤمن المجاهد لا يرتد على عقبيه ولا يستسلم للهزيمة بأي حال .
جاء في تفسير القرطبي في هذه الاية ثلاث مسائل منها :
المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : '' تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة ، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر وغنيمة أو أجر إن يغنم'' {[15]} .
ومن لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته ، ولا يغلق عنهم أبوابها . بل من حصل منه غير ما يليق أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه ، فلهذا أمر هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله فقال : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ } هذا أحد الأقوال في هذه الآية وهو أصحها .
وقيل : إن معناه : فليقاتل في سبيل الله المؤمنون الكاملو الإيمان ، الصادقون في إيمانهم { الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ } أي : يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها .
فإن هؤلاء الذين يوجه إليهم الخطاب لأنهم الذين قد أعدوا أنفسهم ووطَّنوها على جهاد الأعداء ، لما معهم من الإيمان التام المقتضي لذلك .
وأما أولئك المتثاقلون ، فلا يعبأ بهم خرجوا أو قعدوا ، فيكون هذا نظير قوله تعالى : { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا } إلى آخر الآيات . وقوله : { فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ } وقيل : إن معنى الآية : فليقاتل المقاتل والمجاهد للكفار الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ، فيكون على هذا الوجه " الذين " في محل نصب على المفعولية .
{ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } بأن يكون جهادا قد أمر الله به ورسوله ، ويكون العبد مخلصا لله فيه قاصدا وجه الله . { فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } زيادة في إيمانه ودينه ، وغنيمة ، وثناء حسنا ، وثواب المجاهدين في سبيل الله الذين أعد الله لهم في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.