تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا} (98)

83

98- { قال هذا رحمة من ربّي فإذا جاء وعد ربّي جعله دكّاء وكان وعد ربّي حقا } .

أي : هذا البناء العظيم ، تم بفضل الله ورحمته ، وتوفيقه ومعونته ، فإذا جاء وعد الله بخروج يأجوج ومأجوج ، وذلك قرب قيام الساعة ؛ جعل الله هذا السد مستويا بالأرض ، وعاد متهدما كأن لم يكن بالأمس .

{ وكان وعد ربّي حقا } . أي : وكان وعده تعالى بخراب السد ، وقيام الساعة كائنا لا حالة ؛ فقد أفاد القرن ؛ أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة ؛ فتعود الأرض سطحا أجردا مستويا .

قال تعالى : { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربّي نسفا . فيذرها قاعا صفصفا . لا ترى فيها عوجا ولا أمتا . يومئذ يتبعون الدّاعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا } . ( طه : 108 ، 105 ) .

وقال تعالى : { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهّار } . ( إبراهيم : 48 ) .

وقال عز شأنه : { إذا السماء انشقت . وأذنت لربها وحقت . وإذا الأرض مدت . وألقت ما فيها وتخلّت . وأذنت لربّها وحقّت } . ( الانشقاق : 1-5 ) .

وتفيد آيات القرآن الكريم : أنه عند قيام الساعة ؛ تلقي الأرض ما في باطنها ، وتندك الجبال والسدود ؛ ويحشر الناس على أرض بيضاء مستوية ، ينفذ إليهم البصر وتراهم العيون ، ويصطف الناس للحساب .

قال تعالى : { كلا إذا دكّت الأرض دكا دكّا . وجاء ربك والملك صفا صفّا . وجيء يومئذ بجهنم . . . } ( الفجر : 21-23 ) .

إنه يوم القيامة نؤمن به ، ونؤمن بما جاء في القرآن الكريم عنه ، وبأن الملك في ذلك اليوم لله تعالى وحده ، قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا . الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا } . ( الفرقان : 26 ، 25 ) .

ملحق بتفسير الآية

98 من سورة الكهف

{ قال هذا رحمة من ربّي فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء وكان وعد ربي حقا } .

أي : قال ذو القرنين : إن بناء السد بهذا الإحكام ؛ رحمة وتفضل وتوفيق من الله تعالى ؛ فإذا جاء يوم القيامة صار السد مستويا بالأرض ، وعاد متهدما كأن لم يكن بالأمس ؛ هذا رأي .

ومن المفسرين من ذكر : أن معنى { فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا } ، أي : إذا جاء وعد الله بخروج يأجوج ومأجوج ، اندكّ السد ، وخرج هؤلاء الناس يقتلون ويعتدون .

قال المراغي :

أي : فإذا دنا وقت خروجهم من وراء السد ؛ جعله ربي بقدرته وسلطانه أرضا مستوية ، فسلط عليهم منهم ، أو من غيرهم من يهدمه ، ويسوى به الأرض .

{ وكان وعد ربّي حقا } .

أي : وكان ما وعد به سبحانه حقا ثابتا لا ريب في تحققه .

وقد جاء وعد الله تعالى بخروج جنكيز خان سلطان خوارزم السلجوقي64 .

من تفسير الظلال

وبعد ، فمن يأجوج ومأجوج ؟ وأين هم الآن ؟

وماذا كان من أمرهم وماذا سيكون ؟

كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق ، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد في القرآن ، وفي بعض الأثر الصحيح ، والقرآن يذكر في هذا الموضع ما حكاه من قول ذي القرنين : { فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا } .

وهذا النص لا يحدد زمانا ، ووعد الله ، بمعنى : وعده بدك السد ربما يكون قد جاء منذ أن هجم التتار وانساحوا في الأرض ، ودمروا الممالك تدميرا65 .

وفي موضع آخر في سورة الأنبياء :

{ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون . واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصر الذين كفروا يا ويلتنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين } . ( الأنبياء : 97 ، 96 ) .

وهذه الآيات ترجح أن دكّ السد وخروج يأجوج ومأجوج ؛ سيكون قرب قيام الساعة ، أو هو من علامات قيام الساعة . وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يؤيد ذلك66 .

من هدي السنة

في الصحيحين ومسند أحمد : عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : استيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمّر وهو يقول : ( ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ) وحلّق بأصبعيه : السبابة والإبهام . قلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ ! قال : ( نعم إذا كثر الخبيث )67 .

والحديث من دلائل النبوة ، وهو في نفس الوقت تحذير للأمة العربية من التردي والتفسخ ، وانتشار المنكر ، عندئذ يطمع في الأمة أعداؤها ، ويسلط الله عليها الجبارون المنتقمون ؛ جزاء خروجها عن الجادة .

إن الأمة العربية مدعوة ، إلى الوحدة والتماسك ، والتلاقي حول القرآن والسنة والتراث ، والاعتصام بحبل الله { ومن يعتصم بالله فقد هُديَ إلى صراط مستقيم } . ( آل عمران : 101 ) .

إن عودة القدس ، وتحرير بيت المقدس يحتاج أمة مجاهدة ، وقيادة مؤمنة ، ورغبة صادقة في الجهاد في سبيل الله ؛ وعندئذ يأتي النصر قال تعالى : { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } . ( محمد : 7 ) .

/خ99

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا} (98)

ووقف ذو القرنين أمام هذا العمل العظيم ، مظهرا الشكر لله - تعالى - ، والعجز أمام قدرته - عز وجل - شأن الحكام الصادقين فى إيمانهم ، الشاكرين لخالقهم توفيقه إياهم لكل خير .

وقف ليقول بكل تواضع وخضوع لخالقه . . : { هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي } .

أى : هذا الذى فعلته من بناء السد وغيره ، أثر من آثار رحمة ربى التى وسعت كل شئ .

{ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي } الذى حدده لفناء هذه الدنيا ونهايتها ، أو الذى حدده لخروجهم منه { جعله دكاء } أى : جعل هذا السد أرضا مستوية ، وصيره مدكوكا أى : بمساواة الأرض . ومنه قولهم : ناقة دكاء أى : لا سنام لها .

{ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } أى : وكان كل ما وعد الله - تعالى - به عباده من ثواب وعقاب وغيرهما ، وعدا حقا لا يتخلف ولا يتبدل ، كما قال - سبحانه - :

{ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }

وبذلك نرى فى قصة ذى القرنين ما نرى من الدروس والعبر والعظات ، التى من أبرزها . أن التمكين فى الأرض نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده . وأن السير فى الأرض لإِحقاق الحق وإبطال الباطل من صفات المؤمنين الصادقين ، وأن الحاكم العادل من صفاته : ردع الظالمين عن ظلمهم ، والإِحسان إلى المستقيمين المقسطين ، والعمل على ما يجعلهم يزدادون استقامة وفضلا ، وأن من معالم الخلق الكريم ، أن يعين الإِنسان المحتاج إلى عونه ، وأن يقدم له ما يصونه عن الوقوع تحت وطأة الظالمين المفسدين ، وأن من الأفضل أن يحتسب ذلك عند الله - تعالى - . وألا يطلب من المحتاج إلى عونه أكثر من طاقته .

كما أن من أبرز صفات المؤمنين الصادقين : أنهم ينسبون كل فضل إلى الله - تعالى - وإلى قدرته النافذة ، وأنهم يزدادون شكرا وحمداً له - تعالى - كلما زادهم من فضله ، وما أجمل وأحكم أن تختتم قصة ذى القرنين بقوله - تعالى - : { قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } .

ثم تسوق السورة الكريمة بعد قصة ذى القرنين آيات تذكر الناس بأهوال يوم القيامة ، لعلهم يتوبون ويتذكرون .

استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور ذلك فتقول : { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً . . . } .