تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ} (77)

{ ولقد أوحينا إلى موسى أن أسري بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ( 77 ) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ( 78 ) وأضل فرعون قومه وما هدى ( 79 ) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوّكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزّلنا عليكم المنّ والسّلوى ( 80 ) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحلّ عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ( 81 ) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ( 82 ) }

المفردات :

السري والإسراء : السير ليلا .

اضرب لهم : اجعل لهم .

يبسا : طريقا يابسا لا ماء فيه .

الدرك : الإدراك واللحوق .

تخشى : تخاف غرقا .

77

التفسير :

77-{ ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى } .

عندما ضاق الأمر على بني إسرائيل ، واشتد العذاب من فرعون ، وقالوا : { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عيسى ربكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } . ( الأعراف : 129 ) . عندئذ أمر الله موسى أن يسير مع بني إسرائي ليلا .

ومعنى الآية ما يأتي :

أوحينا إلى نبينا موسى : أن اخرج مع عبادي المؤمنين ليلا ، واتجه إلى البحر الأحمر ؛ وسيحاول فرعون أن يجمع جيشا كبيرا ليدركك ؛ فلا تخف من فرعون ؛ فلن يدركك ، ولا تخشى البحر فسوف يكون به اثنا عشر طريقا يابسا ، في قلب البحر ، بقدرة الله ؛ حتى تسير كل قبيلة في طريق .

وفي الآية جميع عناية الله بالمؤمنين ، بعد أن آمن السحرة ، وأعلنوا إيمانهم ، واستعدادهم للاستشهاد ، وبعد أن صبر المؤمنون طويلا ، تدخلت عناية الله ، فالقوة غير متكافئة ؛ فرعون يملك المال والجند ووسائل التعذيب ، وموسى والمؤمنون يتعرضون للبلاء ؛ عندئذ تدخلت عناية الله فقال : أسْر بعبدي } . وسماهم : عباد الله ؛ تعطفا وتحننا عليهم ؛ لما أصابهم من ظلم فرعون وعدوانه ، وبشرت الآية موسى بالنصر ، وولج الماء على طريق يابسة .

{ فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } .

مع اطمئنان موسى أن فرعون لن يدركه .

{ لا تخاف دركا } . وهي جملة حالية أي لا تخف من إدراك فرعون لك من الخلف .

{ ولا تخشى } . من أن تغرق أنت ومن معك في البحر من الأمام .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ} (77)

ثم ساق - سبحانه - جانبا من النعم التى أنعم بها على بنى إسرائيل ، وحذرهم من جحودها ، فقال - تعالى - : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى . . . } .

قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي . . } حكاية إجمالية لما انتهى إليه أمر فرعون وقومه ، وقد طوى - سبحانه - ذكر ما جرى عليهم بعد أن تغلب موسى على السحرة . . . وبعد أن مكث موسى يبلغهم دعوة الله - تعالى - مدة طويلة ويطلب منهم إرسالى بنى إسرائيل معه " .

وصدرت الاية الكريمة باللام الموطئة للقسم وبقد تأكيدا لهذا الإيحاء ، وتقريرا له . . .

أى : والله لقد أوحينا إلى عبدنا موسى - عليه السلام - وقلنا له : سر بعبادى من بنى إسرائيل فى أول الليل متجها بهم من مصر إلى البحر الأحمر فإذا ما وصلت إليه ، { فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً } .

أى : فاجعل لهم طريقا فى البحر يابسا ، فالضرب هنا بمعنى الجعل كما فى قولهم : ضرب لهم فى ماله سهما . إذا جعل له سهما .

والمراد بالطريق جنسه فإن الطرق التى حدثت بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر . كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بنى إسرائيل .

وعبر - سبحانه - عن بنى إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية لله - تعالى - للإشعار بعطفه - عز وجل - عليهم ورحمته بهم ، وللتنبيه على طغيان فرعون حيث استعبد واستذل عبادا للخالق - سبحانه - وجعلهم عبيدا له .

قال الجمل : " وقوله { يَبَساً } صفة لقوله { طَرِيقاً } وصف به لما يؤول إليه ، لأنه لم يكن يبسا بعد . وإنما مرت عليه الصبا فجففته . وقيل : هو فى الأصل مصدر وصف به للمبالغة ، أو على حذف مضاف ، أو جميع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة " .

وقوله - سبحانه - : { لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى } تذييل قصد به تثبيت فؤاد موسى - عليه السلام - وإدخال الطمأنينة على قلبه .

والدرك : اسم مصدر بمعنى الإدراك . والجملة فى محل نصب على الحال من فاعل " اضرب " .

أى : اضرب لهم كطريقا فى البحر يابسا ، حالة كونك غير خائف من أن يدركك فرعون وجنوده من الخلف ، وغير وجل من أن يغرقكم البحر من أمامكم .

فالآية الكريمة قد اشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس الأمان والاطمئنان فى قلب موسى ومن معه .