تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (40)

36

{ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين وكان الله بكل شيء عليما } .

المفردات :

خاتم النبيين : آخرهم فلم يجيء نبي بعده .

التفسير :

تأتي هذه الآية ردا على المنافقين الذين قالوا إن محمدا ينهانا عن زواج امرأة الابن وقد تزوج امرأة ابنه فأفاد القرآن أن محمدا لم يكن أبا نسبيا لزيد إنما رباه ورعاه وادعاه فلما أبطل الله التبني صار يدعي زيد بن حارثة فما كان محمد أبا لزيد ولكن هو رسول الله يبلغ رسالات الله ويصل بين وحي السماء وتعليم الناس شرائع الله تعالى ، وقد ختم الله به النبيئين فلا نبي بعده ، ومن أجل ذلك اشتملت شريعة الإسلام على مقومات حياتها وخلودها وبقائها حيث نص القرآن الكريم على ثوابت الشريعة ، ووضحت السنة القرآن ورسمت للناس معالم الحياة وتطبيقاتها العملية وكان عمل الصحابة وسلوكهم وقضاؤهم وفتاواهم وفقههم مصدرا تشريعيا من مصادر التشريع وكذلك اجتهاد التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين فالاجتهاد أصل من أصول التشريع الإسلامي ويبقى لهذه الشريعة جدتها ونضارتها وخلودها إلى يوم الدين قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) وقد وردت الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وكتب السنن تؤيد أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم رسالة خاتمة للرسل فلا نبي بعده ، وكل من ادعى الرسالة أو النبوة بعده افتضح أمره وعرف للناس كذبه ، لقوله تعالى : { وخاتم النبيئين } بفتح التاء عند حفص وفي قراءة الجمهور وخاتم النبيئين بكسر التاء أي أن الله ختم به الرسالات وقال صلى الله عليه وسلم " أنا العاقب فلا نبي بعدي " وقال صلى الله عليه وسلم " أنا خاتم الرسل " صلوات الله وسلامه عليه .

من تفسير القرطبي

1- اعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن أبا أحد من الرجال المعاصرين له في الحقيقة ولم يقصد بهذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له ولد ، فقد ولد له ذكور : إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلا وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له .

2- قال صلى الله عليه وسلم " ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " 43 أه .

وقد حفلت كتب التفسير كالقرطبي وابن كثير والتفسير المنير وغيرها بإيراد طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة تدل دلالة قاطعة على أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل .

وجاء في التفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية ما يأتي : وقد أفادت هذه الآية أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين خلفا عن سلف ولصراحة الآية لم يستطع المارقون أن يدعوا النبوة بل ادعوه بعضهم الرسالة كالبهاء وهذا إفك وكفر مبين فإنه إذا كانا لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فإن كل رسول نبي ولا عكس وقد وردت الأحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا نبي بعده أخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي حشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي ولم يبق من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " 44

وقال صلى الله عليه وسلم " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " 45 ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " 46 وقد روى الإمام مسلم بسنده عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع اللبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون لولا موضع اللبنة " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء " 47 ونحوه عن أبي هريرة غير أنه قال " فانا اللبنة وأنا خاتم النبيئين " وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي " قال أنس فشق ذلك على الناسي قال : فقال صلى الله عليه وسلم : " ولكن المبشرات " قالوا يا رسول الله وما المبشرات ؟ قال " رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة " . 48

***

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} (40)

ثم حدد - سبحانه - وظيفة رسوله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه بما هو أهله ، فقال - تعالى - : { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ } أى : لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم أبا لأحد من رجالكم أبوة حقيقة ، تترتب عليها آثارها وأحكامها من الإِرث ، والنفقة والزواج . . . . وزيد كذلك ليس ابنا له صلى الله عليه وسلم فزواجه صلى الله عليه وسلم بزينب التى طلقها زيد لا حرج فيه ، ولا شبهة فى صحته ، وقوله : { ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين } استدراك لبيان وظيفته وفضله .

أى : لم يكن صلى الله عليه وسلم أبا لأحدكم على سبيل الحقيقة ، ولكنه كان رسولا من عند الله - تعالى - ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان وكان - أيضا - خاتم النبيين ، بمعنى أنهم ختموا به ، فلا نبى بعده ، فهو كالخاتَم والطابَع لهم . ختم الله - تعالى - به الرسول والأنبياء ، فلا رسول ولا نبى بعده إلى قيام الساعة .

قال القرطبى : قرأ الجمهور { وَخَاتَمَ } - بكسر التاء - بمعنى أنه ختمهم ، أى : جاء آخرهم .

وقرأ عاصم { وخاتم } - بفتح التاء - بمعنى أنهم ختموا به ، فهو كالخاتم والطابع لهم .

وقيل : الخاتم والخاتم - بالفتح والكسر - لغتان ، مثل طابع وطابع . .

وقد روى الإِمام مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها ، إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخولنها ويتعدبون منها ويقولون : ما أجمل هذه الدار ، هلا وضعت هذه اللبنة ؟ قال صلى الله عليه وسلم فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء " .

وقد ذكر الإِمام ابن كثير عددا من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الإِمام مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب ، وأحلت لى الغنائم ، وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بى النبيون " .

ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره : والأحاديث فى هذا كثيرة ، فمن رحمة الله - تعالى - بالعباد إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به ، وإكمال الحنيف له ، وقد أخبر - تعالى - فى كتابه ، وأخبر رسوله فى السنة المتواترة عنه ، أنه لا نبى بعده ، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل ، ولو تخرق وشعبذ ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم . .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : { وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } .

أى : وكان - عز وجل - وما زال ، هو العليم علما تاما بأحوال خلقه ، وبما ينفعهم ويصلحهم ، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم فى حاجة إليه من تشريعات ، واختار رسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لتكون خاتمة الرسالات ، فعليكم أن تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة ، ليزيدكم - سبحانه - من فضله وإحسانه .