73- لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ . . . الآية
لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا : إن الله واحد من آلهة ثلاثة ، والحق أنه ليس في هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو الله رب العالمين .
جاء في التفسير الوسيط ما يأتي :
نصت الآية على الكفر من قال : إن الله ثالث ثلاثة .
والتثليت هو العقيدة السائدة بين الطوائف المسيحية ، حيث يطلقون على الله- سبحانه- لقب الأب ويشركون معه الابن وهو عيسى ، وروح القدس وهو جبريل .
لقد ادعو أن المسيح ابن الله ؛ لأنه ورد وصفه بهذا أربعا وأربعين مرة في العهد الجديد- وهو يضم الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها .
وهذا اللقب لم ينحصر في المسيح ولم يقتصر عليه ، بل أطلق على آدم وعلى إسرائيل ، وعلى داود ، وعلى الملائكة وعلى المؤمنين جميعا .
ومع هذا فقد ورد أيضا في العهد الجديد وصف المسيح بما يقرب من ضعفي هذا العدد بأنه ابن الإنسان وثمانية وسبعين مرة {[300]} .
وطبيعي أن هذين الوصفين يهدمان النبوة بمعنى الألوهية وإذا انهدمت النبوة فقد انهدمت تبعا لها الأبوة .
أما روح القدس : فهو جبريل عليه السلام ، وهو من الملائكة المقربين ، وهو بهذا من خلق الله وكلامهم فيه مضطرب مختل .
وأما كلمة التثليت : فقد اعترف كبار علماء اللاهوت- في قاموس الكتاب المقدس- أنها " لم ترد في الكتاب المقدس ، ويظن أن أول من صاغها واخترعها واستعملها ترتيليان في القرن الثاني للميلاد ، وقد خالفه كثيرون ولكن مجمع نيقية أقر التثليت سنة 325 ميلادية ، ثم استقر التثليت بعد ذلك عند الكنيسة المسيحية ، على يد أوغسطنيوس في القرن الخامس {[301]} .
ومن هنا يتضح أن التثليت نبت بعد المسيح عليه السلام بأكثر من ثلاثة قرون وربع القرن ، وأنه دخيل على المسيحية الحقة الموحدة .
وبهذا استحق القائلون به الحكم بالكفر الصريح ، وقال كبار الباحثين : إن التثليت تسرب إلى المسيحية من العقائد الوثنية الهندية القديمة .
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ . والحق أنه لا يكمن عقلا أن يكون الإله إلا واحد .
أما تعدد الآلهة فهو وصم لها بالقصور والحاجة إلى الآخرين ، ولو كان كل واحد قادرا على ما يخلق الآخرون فما فائدة التعدد ، ولو كان كل واحد منهم عاجزا فلا يصلحون جميعا للألوهية ، وإن كان البعض قادرا والبعض عاجزا فالقادر هو الإله وحده .
وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أي : وإن لم يرجع هؤلاء الذين قالوا بالتثليت عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ، ويعتصموا بعروة التوحيد .
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أي : ليصيبن الذين استمروا على الكفر منهم عذاب شديد . وهذه الجملة تحذير من الله تعالى لهم عن الاستمرار في هذا القول الكاذب ، والاعتقاد الفاسد الذي يتنافى مع الرأي السديد والفكر القويم .
وقوله - تعالى - { لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } بيان لما قالته طائفة أخرى من طوائف النصارى الذين يتفرقون في العقائد والنحل ، ويتجمعون على الكفر والضلال ، فهم شيع شتى ، وفرق متنابذة ، كل شيعة منهم تكفر الأخرى وتعارضها في معتقداتها .
قال الفخر الرازي ما ملخصه : في تفسير قول النصارى { إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } طريقان : .
الأول : أنهم أرادوا بذلك أن الله مريم وعيسى آلهة ثلاثة . والذي يؤكد ذلك قوله - تعالى - للمسيح { أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله } فقوله : { ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } أي : أحد ثلاثة آلهة . أو واحد من ثلاثة آلهة .
والطريق الثاني : أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد ، ثلاثة أٌانيم : أب ، وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة . وعنوا بالأب الذات . وبالابن الكلمة .
وبالروح الحياة . وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اخلتاط الماء بالخمر أو اللبن فزعموا أن الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد .
ثم قال الإِمام الرازي : واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل . فإن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلانا من مقالة النصارى .
وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين قالوا من النصارى إن الله ثالث ثلاثة هم النسطورية والمرقوسية .
ومعنى ثالث ثلاثة : واحد من ثلاثة . أي : أحد هذه الأعداد مطلقا وليس الوصف بالثالث فقد ذكر النحاة أن اسم الفعل المصوغ من لفظ اثنين وشعرة وما بينهما لك أن تستعمله على وجوه منها : أن تستعمله مع أصله الذي صيغ هو منه ، ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير .
فتقول : رابع أربعة أي : واحد من أربعة وليس زائداً عليها ، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله .
وقوله : { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله وَاحِدٌ } بيان للاعتقاد الحق بعد ذكر الاعتقاد الباطل .
وقد جاءت هذه الجملة بأقوى أساليب القصر وهو اشتمالها على " ما " و " إلا " . مع تأكيد النفي بمن المفيدة لاستغراق النفي .
والمعنى : لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا إن الله واحد من آلهة ثلاثة ، والحق أنه ليس في هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو الله رب العالمين ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ورباهم بنعمته . وإليه وحده مرجعهم وإيابهم .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الضالين الذين قالوا ما قالوا من ضلال وكذب فقال - تعالى - : { وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
وهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله : { لَقَدْ كَفَرَ } والمراد بانتهائهم : رجوعهم عما هم عليه من ضلال وكفر .
والمراد بقوله - { عَمَّا يَقُولُونَ } : أي عما يعتقدون وينطقون به من زور وبهتان .
أي : لقد كفر أولئك الذين قلوا إن الله ثالث ثلاثة كفراً شديداص بينا والحق أنه ليس في الوجود سوى إله واحد مستحق للعبادة ، وإن لم يرجع هؤلاء الذين قالو بالتثليث عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ويعتصموا بعروة التوحيد { لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ } أي : ليصيبن الذين استمروا على الكفر منهم عذاب أليم .
فالجملة الكريمة تحذير من الله - تعالى - لهم عن الاستمرار في هذا القول الكاذب .
والاعقتاد الفاسد الذي يتنافى مع العقول السليمة ، والأفكار القويمة .
وقوله : { لَيَمَسَّنَّ } جواب لقسم محذوف ، وهو ساد مسد جواب الشرط المحذوف في قوله { وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ } والتقدير : والله إن لم ينتهوا ليمسن .
وأكد - سبحانه - وعيدهم بلام القسم في قوله { لَيَمَسَّنَّ } رداً على اعتقادهم أنهم لا تمسهم النار ، لأن صلب عيسى - في زعمهم - كان كفارة عن خطايا البشر .
وعبر بالمس للإِشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام : لأن المراد أن هذا العذاب الأليم يصيب جلدهم وهو موضع الإِحساس فيهم إصابة مستمرة ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب } وقال - سبحانه - { لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ } بالتعبير بالظاهر دون الضمير للإِشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم ؛ لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هي سبب الحكم .
ومن في قوله { منهم } يصح أن تكون تبعيضية أي : ليمسن الذين استمروا على الكفر من هؤلاء النصارى عذاب أليم ، لأن كثيرا منهم لم يستمروا على الكفر بل رجعوا عنه ودخولا في دين الإِسلام .
ويصح أن تكون بيانية ، وقد وضح ذلك صاحب الكشاف بقوله : ومن في قوله : { لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } للبيان كالتي في قوله { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } والمعنى : ليمسن الذين كفروا من النصارى خاصة { عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي نوع شديد الألم من العذاب . . كما تقول : أعطني عشرين من الثياب . تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون .
وبعد هذا الترهيب الشديد للكافرين من العذاب الأليم ، فتح لهم - سبحانه - باب رحمته ، حيث رغبهم في الإِيمان ، وأنكر عليهم تقاعسهم عنه بعد أن ثبت بطلان ما هم عليه من عقائد فقال - تعالى - : { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.