ثم بين - سبحانه - منة أخرى من مننه على عباده فقال : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ . . . } .
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : " اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى أول السورة { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور . . . } كان هذا إنعاما على الرسول ، من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم ، وإنعاما على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر . . .
ثم ذكر فى هذه الآية ما يجرى مجرى تكميل النعمة والإِحسان فى الوجهين :
أما بالنسبة إلى الرسول ، فلأن بعثته كانت إلى الناس عامة . .
وأما بالنسبة لعامة الخلق ، فلأنه - سبحانه - ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسانهم . . . " .
والباء فى قوله " بلسان " للملابسة ، والمراد باللسان : اللغة التى يتخاطب بها الرسول مع قومه . .
قال ابن كثير : " هذا من لطفه - تعالى - بخلقه : أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون ، وما أرسلوا به إليهم كما قال الإِمام أحمد .
حدثنا وكيع ، عن عمر بن أبى ذر قال : قال مجاهد : عن أبى ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يبعث الله - عز وجل - نبيا إلا بلغة قومه " .
وقال صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم ، وإنما بعث إلى الناس جميعا ، وهم على ألسنة مختلفة ، فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة ، وإن لم تكن لغيرهم حجة ، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة - أيضا - قلت : لا يخلو إما أن ينزل لجميع الألسنة أو بواحد منها ، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل ، فبقى أن ينزل بلسان واحد .
فكان أول الألسنة لسان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم أقرب إليه .
فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر ، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه ، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم فى كل أمة من أمم العجم ، مع ما فى ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة ، والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد ، واجتهادهم فى تعلم لفظه وتعلم معانيه ، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد ، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ، وأسلم من التنازع والاختلاف . . . " وقال الشوكانى : ما ملخصه : " وقد قيل فى هذه الآية إشكال ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس جمعيا ، ولغاتهم متباينة . . .
وأجيب : بأنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كان مرسلا إلى الثقلين ، لكن لما كان قومه العرب ، وكانوا أخص به وأقرب إليه ، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم ، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم .
ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم ، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم ، لكان ذلك مظنة للاختلاف ، وفتحا لباب التنازع ، لأن كل أمة قد تدعى من المعانى فى لسانها ما لا عرفه غيرها .
وربما كان ذلك - أيضا - مفضيا إلى التحريف والتصحيف ، بسبب الدعاوى الباطلة التى يقع فيها المتعصبون " .
وجملة { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } مستأنفة .
أى : فيضل الله من يشاء إضلاله ، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه .
ويهدى من يشاء هدايته ، لاراد لمشيئته ، ولا معقب لحكمه .
" وهو " سبحانه " العزيز " الذى لا يغلبه غالب " الحكيم " فى كل أفعاله وتصرفاته .
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : وتفريع قوله " فيضل الله من يشاء . . . إلخ " على مجموع جملة { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } ، ولذلك جاء فعل " يضل " مرفوعا غير منصوب ، إذ ليس عطفا على فعل " ليبين " لأن الإِضلال لا يكون معلولا للتبين ولكنه مفرع على الإِرسال المعلل بالتبيين .
والمعنى : أن الإِرسال بلسان قومه لعلة التبيين . وقد يحصل أثر التبيين بمعرفة الاهتداء ، وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم ، ووظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما توعدت الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا فى كفرهم وغيهم ، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله - تعالى - ولطفه بعباده ، وفضله عليهم .
قوله تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيُضِلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ( 4 ) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيّام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ( 5 ) } .
لم يرسل الله من رسول في الأمم السابقة إلا بلغة الذين أرسل إليهم وهو منهم ومبعوث فيهم ( ليبين لهم ) أي دينهم الذي جاءهم به من عند الله ؛ فيتلقوه منه في سرعة ويسر من غير حاجة إلى ترجمان ، وهذه حجة لله على العباد إذ بعث فيهم النبيين من أنفسهم ، كل نبي بلغة قومه ؛ تسهيلا لهم وتيسيرا عليهم ؛ فيتسنى لهم بذلك فهم دينهم والوقوف على حقيقته ومعناه .
قوله : ( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) ( فيضل ) ، مرفوع على الاستئناف{[2369]} .
والمعنى : ليس على الرسول إلا القيام بتبليغ الناس ، وما عليه هداية أحد ؛ فإنما الهادي هو الله وحده دون أحد من خلقه ، وما على النبي كذلك إضلال أحد ؛ وإنما يضل الله الناس إن كانوا لا يستحقون الهداية ؛ لفساد فطرتهم وسوء اختيارهم ، وذلك بخلاف المهتدين الذين يكتب الله لهم الهداية ؛ لاستقامة طبعهم وسلامة فطرتهم وحسن اختيارهم ؛ إذ سلكوا طريق الهداية حيث الفوز بالجنة والرضوان .
قوله : ( وهو العزيز الحكيم ) ( العزيز ) يعني القوي القادر على كل شيء والذي لا يغلبه شيء . و ( الحكيم ) ، الواضع للأشياء على ما اقتضته حكمته المطلقة وتقديره الكامل من غير نقص في ذلك ولا عيب ولا خلل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.