التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا} (73)

ثم تسوق السورة بعد ذلك موقف الكافرين عند سماعهم لآيات الله - تعالى - كما تسوق ما قالوه للمؤمنين على سبيل التفاخر عليهم ، وما رد به القرآن على هؤلاء المترفين المتعالين ، قال - تعالى - : { وَإِذَا تتلى . . . } .

قوله - سبحانه - : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بينات . . } حكاية لما قاله الكافرون للمؤمنين على سبيل التباهى والتفاخر .

أى : وإذا تتلى على هؤلاء المشركين المنكرين للبعث آياتنا البينات الواضحات ، الدالة على صحة وقوع البعث والحساب يوم القيامة { قَالَ الذين كَفَرُواْ } على سبيل العناد والتعالى { لِلَّذِينَ آمنوا } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، قالوا لهم انظروا { أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } .

والمقام - بفتح الميم - : مكان القيام والمراد به مساكنهم ومنازلهم التى يسكنونها وينزلون بها .

والندى والنادى والمنتدى : مجلس القوم ومكان تجمعهم .

يقال : ندوت القوم أندوهم ندوا ، إذا جمعتهم فى مجلس للانتداء . ومنه : دار الندوة للمكان الذى كانت تجتع فيه قريش للتشاور فى أمورها .

أى : وإذا تتلى على هؤلاء الكافرين آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وعلى أن البعث حق . قالوا للمؤمنين على سبيل الاحتقار لهم : نحن وأنتم أينا خير من الآخر مكانا ، وأحسن مجلسا ومجتمعا فهم يتفاخرون على المؤمنين بمساكنهم الفارهة ، ومجالسهم التى يجتمع فيها أغنياؤهم ووجهاؤهم .

قال الجمل فى حاشيته : " أى قالوا للمؤمنين : انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من منازلكم وانظروا إلى مجلسنا عند التحدث ومجلسكم ، فترونا نجلس فى صدر المجلس ، وأنتم جالسون فى طرفه الحقير . فإذا كنا بهذه المثابة وأنتم بتلك فنحن عند الله خير منكم ، ولو كنتم على حق لأكرمكم الله بهذه الأمور كما أكرمنا بها " .

وما حكاه الله - تعالى - عن هؤلاء الكافرين فى هذه الآية ، قد جاء ما يشبهه فى آيات أخرى ، ومن ذلك قوله - تعالى - : { وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا} (73)

قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ( 73 ) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا ( 74 ) } إذا تليت على المشركين المكذبين آيات من الله تنعى عليهم إجرامهم وظلمهم وتحذرهم عاقبة تكذبيهم وما ينتظرهم من سوء المصير ؛ إذ الهوان والتنكيل والخزي والإياس ( بينات ) منصوب على الحال . يعني آيات ظاهرات الإعجاز والكمال لهبط دونهن كل نظم أو كلام ، وفيهن من قوة البرهان والحجة وسطوع اليقين ما يدحض كل باطل أو ظلم يفتريه هؤلاء المكذبون الخاسرون ( قال الذين كفروا للذين آمنوا ) أي قال الكافرون للمؤمنين في تمرد وعتو واستكبار ، مستنكفين عن آيات الله وما فيها من تنديد بشركهم وضلالهم ( أي الفريقين ) يريدون فريق المؤمنين وفريق الكافرين ( خير مقاما ) بفتح الميم ؛ أي مكانا ومنزلا . وهم بذلك يفتخرون بمنازلهم العالية ومساكنهم الجميلة المهيبة ذات الأثاث الفاخر والرياش الوثير . يفاخرون بمثل هذا الحطام الفاني على المؤمنين في بيوتهم الصغيرة والبسيطة لقلة حيلتهم وضعف قدرتهم ( وأحسن نديا ) أي مجلسا يجتمع فيه القوم للمشاورة ، وكذلك يفاخرون هنا بسعة مجالسهم التي يجتمع فيها رؤوس القوم للتداول والتشاور . بما يشير إلى كثرة أتباعهم وأعوانهم ، وأنهم أكثر أنصارا ومريدين من المؤمنين ؛ إذ كانوا قلة ومستضعفين لا يشايعهم في دينهم وعقيدتهم غير قلة من الصابرين الثابتين على الحق ، وسط الظلام وفي وجه الطغاة والمجرمين . بمثل ذلك كان المشركون السفهاء يفاخرون ويتباهون بحسن منازلهم ومساكنهم المزينة بأصناف الأثاث والفُرُش ، وبمجالسهم التي يتلاقى فيها الكبراء والقادة من رؤوس الكفر وصناديد الباطل . يفاخرون ويتباهون بمثل هاتيك المظاهر السخيفة التي لا تعدل في ميزان الحقيقة والمنطق مثقال ذرة ، ولا تساوي في ميزان الله وقسطاسه المستقيم وزن قطمير . فماذا تغني هذه المظاهر والمفاخر والزينات ما دامت صائرة إلى الزوال المحتوم والفناء القريب ؟ إنما تغني الباقيات الصالحات من عقيدة صحيحة سليمة وخشوع لله وازع ، وعمل حسن نافع .