البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا} (73)

الندى والنادي : المجلس الذي يجتمع فيه لحادثة أو مشورة .

وقيل : مجلس أهل الندى وهو الكرم .

وقيل : المجلس فيه الجماعة .

قال حاتم :

فدعيت في أولى الندى ***ولم ينظر إليّ بأعين خزر

{ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } نزلت في النضر بن الحارث وأصحابه ، كان فقراء الصحابة في خشونة عيش ورثاثة سربال والمشركون يدهنون رؤوسهم ويرجلون شعورهم ويلبسون الحرير وفاخر الملابس ، فقالوا للمؤمنين : { أي الفريقين خير مقاماً } أي منزلاً وسكناً { وأحسن ندياً } ولما أقام الحجة على منكري البعث وأتبعه بما يكون يوم القيامة أخبر عنهم أنهم عارضوا تلك الحجة الدامغة بحسن شارتهم في الدنيا ، وذلك عندهم يدل على كرامتهم على الله .

وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن يتلى بالياء والجمهور بالتاء من فوق كان المؤمن يتلو على الكافر القرآن وينوه بآيات النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقول الكافر : إنما يحسن الله لأحب الخلق إليه وينعم على أهل الحق ، ونحن قد أنعم علينا دونكم فنحن أغنياء وأنتم فقراء ، ونحن أحسن مجلساً وأجمل شارة .

ومعنى { بينات } مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني أو ظاهرات الإعجاز أو حججاً وبراهين .

و { بينات } حال مؤكدة لأن آياته تعالى لا تكون إلاّ بهذا الوصف دائماً .

وقرأ الجمهور { مقاماً } بفتح الميم .

وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد والجعفي وأبو حاتم عن أبي عمرو بضم الميم واحتمل الفتح والضم أن يكون مصدراً أو موضع قيام أو إقامة ، وانتصابه على التمييز .