التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (35)

ثم بين - سبحانه - أنه لا سبيل إلى إيمان هؤلاء الجاحدين إلا بمشيئة الله وإرادته فقال { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض أَوْ سُلَّماً فِي السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ } .

كبر عليك : أى شق وعظم عليك . والنفق : السرب النافذ فى الأرض الذى يخلص إلى مكان .

والمعنى : وإن كان - يا محمد - قد شق عليك إعراض قومك عن الإيمان وظننت أن إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سبباً فى إيمانهم ، فإن استطعت أن تطلب مسلكا عميقاً فى جوف الأرض ، أو مرقاة ترتقى بها إلى السماء لتأتيهم بما اقترحوا من مطالب فافعل فإن ذلك لن يفيد شيئاً لأن هؤلاء المشركين لا ينقصهم الدليل الدال على صدقك ، ولكنهم يعرضون عن دعوتك عناداً وجحوداً .

ثم قال - تعالى - { وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } .

أى : لو شاء الله جمعهم على ما جئت به من الهدى والرشاد لفعل ، بأن يوفقهم إلى الإيمان فيؤمنوا ، ولكن الله لم يشأ ذلك لأنهم بسوء اختيارهم آثروا الحياة الدنيا ، فلا تكونن من الجاهلين بحكمة الله فى خلقه ، وبسننه التى اقتضاها علمه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (35)

قوله : { وإن كان كبرعليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بئاية } يعني إن كان قد عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وانصرافهم عن الإيمان بك وعن تصديقك فيما جئتهم به من الحق فشق ذلك عليك ولم تصبر على ما أصابك من أذاهم فافعل ما بدا لك . فإن استطعت أن تتخذ { نفقا } {[1156]} أي سربا مثل نافقاء اليربوع فتذهب فيه أو تتخذ { سلما } أي مصعدا كالدرج تصعد فيه ثم تأتيهم بعد ذلك بآية أو برهان على صحة دعوتك أفضل مما أتيناك به من الدلائل فافعل .

قوله : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أي لو شاء الله أن يجمعهم على ما أنتم عليه من محجة الإسلام فتكونوا جميعا على ملة واحدة لفعل ذلك . وذلك بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا معكم . لكن الله لم يشأ ذلك لسوء ما اختاره هؤلاء لأنفسهم حسبما علمه الله منهم في أزل الآزال . أو لسابق علمه بأن هؤلاء كائنون من الكافرين اختيارا وليس إجبارا ويرومون ما هو خلافها .

وقيل : لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيب هؤلاء المشركين الظالمين . وما ينبغي لك أن تجزع من إعراضهم عن دين الله ، فإن شدة الأسى والجزع وفرط الإحساس بالضيق ، من صفات الجاهلين . ولا جرم أن يكون مثل هذا الأسلوب من التحذير والتنذير ما يحمل للذهن . بالقطع الجازم أن هذا القرآن من عند الله . وهذه واحدة من ظواهر شتى فريدة تزجي للعاملين بالدليل الكامل على أن القرآن معجز . فإنه ما من عاقل أو كائن أوتي مسكة من عقل يصدق أن عظيما فذا مميزا كمحمد ينذر نفسه بنفسه أو يكله نفسه ثقل التحذير والتنذير .


[1156]:- النفق: سرب في الأرض له مخلص إلى مكان. أو هو السرب النافذ في الأرض وأصله في جحرة اليربوع. ومنه النافقاء والقاصعاء. وذلك أن اليربوع يحفر في الأرض سربا ويجعل له بابين. وقيل: ثلاثة: النافاقاء والقاصعاء والدابقاء. ثم يرق بالحفر ما تقارب وجه الأرض. فإذا نابه أمر دفع تلك القشرة الرقيقة وخرج. انظر الدر المصون ج 4 ص 609 والقاموس المحيط 1196.