الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

{ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } نزلت هذه الآيات في قصة تميم وعدي وبديل خرجوا تجارا إلى الشام فمرض بديل ودفع إليهما متاعه وأوصى إليهما أن يدفعاه إلى أهله إذا رجعا فأخذا من متاعه إناء من فضة وردا الباقي إلى أهله فعلموا بخيانتهما ورفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآيات ومعنى الآية ليشهدكم { إذا حضر أحدكم الموت } وأردتم الوصية { اثنان ذوا عدل منكم } من أهل ملتكم تشهدونهما على الوصية { أو آخران من غيركم } من غير دينكم إذا { ضربتم } سافرتم { في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت } علم الله أن من الناس من يسافر فيصحبة في سفره أهل الكتاب دون المسلمين ويحضره الموت فلا يجد من يشهده على وصيته من المسلمين فقال { أو آخران من غيركم } فالذميان في السفر خاصة إذا لم يوجد غيرهما تقبل شهادتهما في ذلك وقوله { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا } أي أن ارتبتم في شهادتهما وشككتم وخشيتم أن يكونا قد خانا حبستموهما على اليمين بعد صلاة العصر فيحلفان بالله ويقولان في يمينهما لا نبيع الله بعرض من الدنيا ولا نحابي أحدا في شهادتنا { ولو كان ذا قربى } ولو كان المشهود له ذا قربى { ولا نكتم شهادة الله } أي الشهادة التي أمر الله بإقامتها { إنا إذا لمن الآثمين } إن كتمناها ولما رفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما وذلك أنهما كانا نصرانيين وبديل كان مسلما فحلفا أنهما ما قبضا غير ما دفعا إلى الورثة ولا كتما شيئا وخلى سبيلهما ثم اطلع على الإناء في أيديهما فقالا اشتريناه منه فارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل قوله { فإن عثر } أي ظهر واطلع { على أنهما استحقا إثما } أي استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين { فآخران يقومان مقامهما } من الورثة وهم الذين { استحق عليهم } أي استحق عليهم الوصية أو الإيصاء وذلك أن الوصية تستحق على الورثة { الأوليان } بالميت أي الأقربان إليه والمعنى قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وهو قوله { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } أي يميننا أحق من يمينهما { وما اعتدينا } فيما قلنا فلما نزلت هذه الآية قام اثنان من ورثة الميت فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا فدفع الإناء إلى أولياء الميت

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

قوله : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً } أي إن علم أو اطُّلع بعد التحليف على أن هذين الشاهدين –أو الوصيين في قول- فعلا ما يوجب إثماً من كذب أو زور أو تحريف للشهادة أو أكل للموصى به بغير حق فليشهد بدلاً منهما شاهدان آخران .

قوله : { فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } آخران مبتدأ و{ يَقُومَانِ } صفته . وخبر المبتدأ { الأَوِلَيَانِ } . أي رجلان شاهدان . مقامهما مصدر( {[1102]} ) .

والمعني أن يقوم شاهدان آخران أو حالفان آخران مقام الشاهدين اللذين كذبا وفرطا وخانا فيشهدا أو يحلفا على ما هو حق .

قوله : { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأََوْلَيَانِ } ثمة قراءتان مشهورتان لقوله : { اسْتَحَقَّ } إحداهما : القراءة بالبناء للمفعول أي بضم التاء في قول الجمهور . فيكون الأوليان مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف . أي هما الأوليان . وقيل : بدل من ضمير يقومان . أو من { آخَرَانِ } فيكون المعنى بذلك : من الذين جُني عليهم وهم الورثة فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم . والأوليان مثنى أولى .

أما القراءة الثانية فهي البناء للفاعل أي نفتح التاء . فيكون الأوليان فاعل استحق . والأوليان الأقربان للميت ، وهما الوارثان الأحقان بالشهادة أو اليمين لقربهما واطلاعهما . أما مفعول { اسْتَحَقَّ } فهو محذوف ، وتقديره : تجريدهما للشهادة ليظهرا بها كذب الكاذبين . وقيل : الوصية . وقيل : مال الورثة وتركتهم .

قوله : { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا } يقسمان معطوف على { يَقُومَانِ } والمراد بالشهادة هنا اليمين . وهو قول ابن عباس وآخرين كثير : والمعنى : أن يحلف الآخران اللذان قاما مقام الشاهدين الآثمين . على أن يميننا أحق من يمينهما الكاذبة لما ظهر من استحقاقهما للإثم { وَمَا اعْتَدَيْنَا } أي ما تجاوزنا القول الصدق ولا الشهادة بالحق . ولئن تجاوزنا أو فرطنا في شهادتنا أو يميننا { إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ } أي الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم بوضع الباطل موضع الحق فعرضوا أنفسهم لسخط الله وعذابه .


[1102]:- البيان لابن الأنباري ج1 ص309.