{ فوسوس لهما الشيطان } أي حدث لهما في أنفسهما { ليبدي لهما } هذه اللام لام العاقبة وذلك أن عاقبة تلك الوسوسة أدت إلى أن بدت لهما سوآتهما يعني فروجهما بتهافت اللباس عنهما وهو قوله { ما ووري } أي ستر { عنهما من سوآتهما } { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة } أي عن أكلها { إلا أن تكونا } لا هاهنا مضمرة أي إلا أن لا تكونا { ملكين } يبقيان ولا يموتان كما لا تموت الملائكة يدل على هذا المعنى قوله { أو تكونا من الخالدين }
ثم سبب عن ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه ، وأنه وقع على كثير من مراده واستغوى منه أمماً تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد ؛ ثم بين أنه أقل من أن يكون له فعل ، وأن الكل بيده سبحانه ، هو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم ، وأن [ من-{[32056]} ] يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ، فقال : { فوسوس{[32057]} } أي ألقى في خفاء وتزيين وتكرير{[32058]} واشتهاء { لهما الشيطان } أي{[32059]} بما مكنه الله منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم{[32060]} ويلقى له في خفاء ما يميل به قلبه إلى ما يريد ؛ ثم بين علة الوسوسة بقبوله : { ليبدي } أي يظهر { لهما ما وري } أي ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه { عنهما } والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة عليهما فيه كما يأتي في قوله ينزع عنهما لباسهما }[ الأعراف : 27 ] و { من سوءاتهما } أي المواضع التي يسوءهما انكشافها ، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للعبد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع{[32061]} وكمال التباين .
ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهماً أنه أمر كبير وخداع طويل ، عطف عليه قوله : { وقال } أي في{[32062]} وسوسته أيضاً ، أي زين{[32063]} لهما ما حدث بسببه في خواطرهما هذا القول : { ما نهاكما } وذكرهما بوصف الإحسان تذكيراً بإكرامه لهما تجزئة لهما على ما يريد منهما فقال : { ربكما } أي المحسن إليكما بما تعرفانه من أنواع إحسانه { عن } أي ما جعل نهايتكما في{[32064]} الإباحة للجنة متجاوزة عن { هذه الشجرة } جمع بين الإشارة والاسم زيادة في الاعتناء بالتنصيص { إلا أن } أي كراهية أن { تكونا ملكين } أي في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم { أو تكونا } أي بما يصير لكما{[32065]} من الجبلة { من الخالدين* } أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلاً .
قوله : { فوسوس لهما الشطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما } .
الوسوسة ، الصوت الخفي ، وحديث النفس بما لا نفع فيه ولا خير . والوسواس اسم الشيطان{[1354]} . والمعنى : أن إبليس بما أوتي من قدرة ذاتية على التزيين والتغرير والإيحاء للنفس من داخلها بما يغريها ويغويها قد ألقى وسوسته لآدم وزوجه لكي يغويهما بعصيانهما أمر ربهما . فقد وسوس إبليس لهما { ليبدي لهما ما روي عنهما من سوآتهما } السوءات جمع سوأة ، وهي العورة ويراد بها الفرج ، لأن ظهوره يسوء صاحبه . واللام لم كي ؛ أي لكي يظهر لهما ما غطي أو ستر من عوراتهما . وكانت عوراتهما مستورة بنور الله ، فلما عصيا زال عنهما النور فانكشفت عوراتهما .
قوله : { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } ذلك من تغرير إبليس وخداعه لآدم وزوجه . فإن إبليس لا يألو سبيلا أو حلية في إغواء آدم وذريته وإفسادهم . فها هو كشأنه في الإفساد والتضليل ، يراوغ آدم ويخادعه بزعمه الكاذب المكشوف أن الله ما نهاكما عن الأكل من هذه الشجرة { إلا أن تكونا ملكين } أي كراهة أن تكونا ملكين . أو لئلا تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الشهوات .
قوله : { أو تكونا من الخالدين } أي الذين لا يموتون بطبيعتهم ، أو الذين يلبثون في الجنة ماكثين خالدين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.