الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (80)

{ ولوطا } وأرسلنا لوطا أي واذكر لوطا { إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة } يعني إتيان الذكور { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } قالوا ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (80)

ولما أتم سبحانه ما وفى بمقصد هذه السورة في هذا السياق من قصتهم ، أتبعه من بعده{[32629]} ممن تعرفه العرب كما فعل فيما قبل فقال : { ولوطاً إذ قال } ولما كانت رسالته إلى مدن شتى ، وكأنهم كانوا قبائل شتى ، قيل : كانوا خمسة وهي المؤتفكات{[32630]} ، وقيل : كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة الشريفة ، قال : { لقومه } وقد جوزوا أن يكون العامل فيه { أرسلنا } و { اذكر } ولا يلزم من تقدير { أرسلنا } أن يكون إرساله في وقت تفوهه لهم بهذا القول غير سابق عليه ، لأنه كما أن ذلك الزمن - المنطبق على أول قوله وآخره - وقت له فكذلك{[32631]} اليوم - الذي وقع فيه هذا القول - وقت له ، بل وذلك الشهر وتلك السنة وذلك القرن ، فإن من شأن العرب تسمية الأيام المشتركة في الفعل الواحد يوماً ، قالوا : يوم القادسية ، وهو أربعة أيام إن اعتبرنا مدة القتال فقط ، وعدة شهور إن اعتبرنا بالاجتماع{[32632]} له ، وكذا يوم صفين ، وقال تعالى في قصة بدر { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } إلى أن قال : { إذ تستغيثون ربكم } إلى أن قال : { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }{ إذ يوحي ربك إلى الملائكة }{[32633]} وكلها إبدال من قوله : { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } ولا ريب في أن{[32634]} زمان الكل لم يكن متحداً إلا{[32635]} بتأويل جميع الأيام المتعلقة بالوقعة من سير وقتال وغير ذلك - والله أعلم ، وعبر في قصة نوح عليه السلام{[32636]} ب{ أرسلنا نوحاً إلى قومه }[ الأعراف : 59 ] ثم نسق من بعده عليه فقيل :{ وإلى عاد أخاهم هوداً }[ الأعراف : 65 ] { وإلى ثمود أخاهم صالحاً }[ الأعراف : 73 ] { وإلى مدين أخاهم شعيباً }[ الأعراف : 85 ] وعدل عن هذا الأسلوب في قصة لوط فلم يقل : وإلى أهل أدوماً{[32637]} أخاهم لوطاً ، أو إلى أهل سدوم لوطاً{[32638]} أو وأرسلنا لوطاً إلى قومه ونحو ذلك كما سيأتي في قصة موسى عليه السلام ، لأن من أعظم المقاصد بسياق هذه القصص تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ، في مخالفة قومه له وعدم استجابتهم وشدة أذاهم وإنذار{[32639]} قومه أن يحل بهم ما حل بهذه الأمم من العذاب ، وقصص من عدا قوم لوط مشابهة لقصة قريش في الشرك بالله{[32640]} والأذى لعباده المؤمنين ، وأما قصة قوم لوط فزائدة عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد العار والفحش فعدل عن ذلك النسق تنبيهاً عليه تهويلاً للأمر وتبشيعاً له ، ليكون في التسلية أشد ، وفي استدعاء الحمد والشكر أتم ، وحينئذ يترجح أن يكون العامل { اذكر } لا { أرسلنا }{[32641]} أي واذكر لوطاً وما حصل عليه من قومه زيادة على شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعاً ، فالقصة في الحقيقة تسلية وتذكير{[32642]} بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذار لهم سوء المآل مع ما شاركت{[32643]} فيه أخواتها من الدلالة على سوء جبلة هؤلاء القوم وشرارة جوهرهم المقتضي لتفردهم عن أهل الأرض بذلك الأمر الفاحش ، والدليل على أنه أشنع الشنع{[32644]} بعد الشرك - مع ما جعل الله تعالى في كل طبع سليم من النفرة عنه - اختصاصه بمشاركته للشرك في أنه لم يحل في ملة من الملل في وقت من الأوقات ولا مع وصف من الأوصاف ، وبقية{[32645]} المحرمات ليست كذلك ، فأما قتل النفوس فقد حل في {[32646]}القصاص والجهاد{[32647]} وغير ذلك ، والوطء{[32648]} في القبل{[32649]} لم يحرم إلا بقيد كونه زنى ، ولولا الوصف لحل ، وأكل المال الأصل فيه الحل ، وما حرم إلا بقيد كونه بالباطل - وكذا غير ذلك ؛ قال أبو حيان : ولما كان هذا الفعل معهوداً قبحه ومركوزاً في العقول فحشه ، أتى معرفاً - أي في قوله بعد إنكاره عليهم وتقريعه وتوبيخه لهم : { أتأتون الفاحشة } أي أتفعلون السيئة المتمادية في القبح وإن كان بينكم وبينها مسافة بعيدة - أو تكون{[32650]} " أل " فيه للجنس على سبيل المبالغة ، كأنه{[32651]} لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد العرب عن ذلك البعد التام ، وذلك{[32652]} بخلاف الزنى فإنه قال فيه{[32653]} ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة }{[32654]}[ الإسراء : 32 ] .

ولما كان غير مستبعد على صفاقة وجوههم ووقاحتهم أن يقولوا : لم تكون{[32655]} فعلتنا منكراً موبخاً عليها ؟ قال : { ما سبقكم بها } وأغرق في النفي بقوله : { من أحد } وعظم ذلك بتعميمه في قوله : { من العالمين* } فقد اخترعتم شيئاً لا يكون مثل فحشه لتذكروا{[32656]} به أسوأ ذكر ، كما{[32657]} أن ذوي الهمم العوال والفضل والكمال يستنبطون من المحاسن والمنافع ما يبقى لهم ذكره وينفعهم أجره ، وفي ذلك أعظم إشارة إلى تقبيح البدع والتشنيع على فاعليها ، لأن العقول لا تستقل بمعرفة المحاسن .


[32629]:- من ظ، وفي الأصل: بعدهم.
[32630]:- زيد من ظ.
[32631]:- في ظ: ذلك.
[32632]:- في ظ: الاجتماع.
[32633]:- سورة 8 آية7-12.
[32634]:- سقط من ظ.
[32635]:- في ظ:لا
[32636]:- زيد من ظ.
[32637]:- في تاج العروس: دوما- راجع "افك".
[32638]:- زيد من ظ.
[32639]:- من ظ، وفي الأصل: انذر.
[32640]:- في ظ: في الله.
[32641]:- في ظ: لا رسالنا-كذا
[32642]:- في ظ: تذكيرا.
[32643]:- من ظ، وفي الأصل: شركت.
[32644]:- سقط من ظ.
[32645]:- في ظ: قصة.
[32646]:- في ظ: الجهاد والقصاص.
[32647]:- في ظ: الجهاد والقصاص.
[32648]:- من ظ، وفي الأصل: لوط.
[32649]:- في ظ: الدبر.
[32650]:- من ظ والبحر المحيط 4/333، وفي الأصل: يكون.
[32651]:- من البحر، وفي الأصل: وظ: فإنه.
[32652]:- زيد من البحر.
[32653]:- سورة 17 آية 32.
[32654]:- من ظ، وفي الأصل: يكون.
[32655]:- من ظ، وفي الأصل: ليذكروا.
[32656]:- زيد من ظ.
[32657]:- وفي مصاحفنا. إنكم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (80)

قوله تعالى : { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين 80 إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون 81 وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون 82 فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين 83 وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } .

لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية ؛ فهو غير مشتق وقد صرف لخفته ؛ لأنه من على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط . قال سيبويه : نوح ولوط أسماء أعجمية إلا أنها خفيفة فصرفت . وقيل : لاط يلوط أي عمل عمل قومه كلاوط وتلوط . استلاطه ، أي ألزقه بنفسه{[1463]} .

ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل وكان معه في أرض بابل من العراق . وقد هاجر إبراهيم إلى الشام ونزل فلسطين وأنزل لوطا الأردن فأرسله الله إلى أهل سدوم بحمص . أو هي مدائن قوم لوط كان قاضيها يقال له سدوم{[1464]} .

وقوم لوط أهل فاحشة وقذر تنفر منه الطبائع السليمة وتتقزز منه النفس الإنسانية المستقيمة . وهم قوم أسرفوا في المجاوزه المشينة الكريهة ، وغالوا في الإفلات من ربقة الفطرة الكريمة والمنطق السليم ؛ فقارفوا من الفحش والرذيلة ما جاوز الأوهام والظنون . ولنا : أن نعي هذه الخصلة الشاذة النكراء ونحن نتصور نكاح الرجال للرجال . إن ذلكم غاية في البشاعة والنكر . وذلكم اللواط . لا جرم أن فاحشة اللواط من أخس الخسائس التي سقط فيها هؤلاء القوم الذين فسدت فيهم الفطرة الآدمية فغاصوا في الرجس غوصا ما سبقهم إليه شعب من الشعوب ولا أمة من الأمم إلا ما نسمعه من نداءات مهينة مسفة في زماننا الراهن حيث الحضارة المادية الكنود . حضارة المال والشهوات والجنس . الحضارة التي تتيح لأولي الطبائع المستقبحة أن يجاهروا بقذر اللواط في القانون الراعي لذلك والمجوز له تجويزا صريحا . فيا لعار الحضارة المريضة النتنة التي تروج للقاذروات وخسائس الطبع الآسن الشاذ لنجاهر به علانية من على منصات الإعلام كله وتحت قبب البرلمانات الدولية في أوربا وأمريكا ! !

لقد سبق القرآن كل هذه الحضارات الآسنة المزيفة ؛ إذ حرم اللواط تحريما غليظا وشدد في النهي عنه والتحذير منه ؛ حرصا على الإنسانية أن ينال منها الرجس والقذر والشذوذ ؛ وصونا للأفراد والمجتمعات من كل ألوان المفاسد والقاذورات والموبقات النفسية والشخصية والاجتماعية المدمرة كاللواط . وها هو القرآن يهتف بالتنديد بهذه الفعلة الوبيلة النكراء ؛ إذ يحكي قصة نبي الله لوط مع قومه الفاسدين الأشقياء الذين سقطوا في وهدة هذا المرض الوبيل . فقال سبحانه : { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين } لوطا منصوب بفعل محذوف تقديره أرسلنا والاستفهام في قوله : { أتأتون } للتوبيخ والتقريع . وإيتان الفاحشة يراد به هنا إتيان الذكور على سبيل التلاوط . فقد خاطب لوط قومه مستنكرا موبخا : أتفعلون تلك الفعلة النكراء التي لم يسبق أن فعلها أناس أو أمة قبلكم ؟ !


[1463]:القاموس المحيط ج، 2 ص 398 ومختار الصحاح ص 608.
[1464]:لسان العرب جـ 12 ص 285.