{ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } حضهم على نصر دين الله { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } يريد الرجل منكم بعشرة منهم في الحرب { وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } أي هم على جهالة فلا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خلاف من يقاتل على بصيرة يرجو ثواب الله وكان الحكم على هذا زمانا يصابر الواحد من المسلمين العشرة من الكفار فتضرعوا وشكوا إلى الله عز وجل ضعفهم فنزل { الآن خفف الله عنكم } هون عليكم { وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين } فصار الرجل من المسلمين برجلين من الكفار .
ولما بين أنهم كافون مكفيون ، وكان ذلك مشروطاً بفعل الكيس والحزم وهو الاجتهاد بحسب الطاقة ، أمره بأن يأمرهم بما يكونون به كافين من الجد في القتال وعدم الهيبة للأبطال في حال من الأحوال ، فقال {[35264]}معبراً بالوصف الناظر إلى جهة التلقي عن الله ليشتد وثوق السامع لما يسمعه{[35265]} : { يا أيها النبي } أي الرفيع المنزلة عندنا الممنوح {[35266]}من إخبارنا{[35267]} بكل ما يقر عينه وعين أتباعه { حرض المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان { على القتال } أي بالغ في حثهم عليه وندبهم بكل سبيل إليه ، ومادة حرض - بأيّ ترتيب كان - حرض ، حضر ، رحض ، رضح ، ضرح ؛ ترجع إلى الحضور ويلزمه الخفض والدعة ، ويلزم الكسل فيلزمه الضعف فيلزمه الفساد ، ومنه الحرض الذي أشفى على الهلاك ، أي حضر هلاكه وحضر هو موضعه الذي هو فيه فصار لما به لا يزايله ما دام حياً ، ورحض الثوب ، أي غسله ، من الدعه التي هي شأن الحضور غير المسافرين ، والرحضاء عرق الحمى تشبيه بالمغسول ، والمرضاح الحجر{[35268]} الذي لا يزال حاضراً لرضح النوى ، والضريح شق مستطيل يوضع فيه الميت فيكون حاضره لازماً له دائماً إلى الوقت المعلوم ، ويلزمه الرمي والطول ، ومنه المضرحي للطويل الجناحين من الصقور{[35269]} لأن كل صيد عنده حاضر لقوة طيرانه ، والرجل الكريم لعلو همته ، وأحضرت الدابة : عدت فجعلت الغائب حاضراً ، والتحريض الحث على حضور الشيء ، فحرض على القتال : حث على الطيران إليه بتعاطي أسبابه والاستعداد لحضوره حتى يصير المحثوث كأنه حاضر ، متى قيل : يا صباحاه ! طار إلى المنادي ، وكان أول حاضر إلى النادي ، لأنه لا مانع {[35270]}له من شيء من الأشياء{[35271]} بل استعداده استعداد الحاضر في الصف ؛ وقال الإمام أبو الحسن علي ابن عيسى الرماني{[35272]} في تفسيره : والتحريض : الدعاء الوكيد لتحريك النفس على أمر من الأمور ، والحث والتحريض والتحضيض نظائر ، ونقيضه التفسير ، والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه - انتهى .
فهذه حقيقته ، لا ما قال في الكشاف وتبعه عليه البيضاوي .
ولما ندبهم إلى القتال ، أعلمهم بأنهم منصورون فيه إن{[35273]} لازموا آلة النصر ، فقال اسئنافاً جواباً لمن قال : ما عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك ؟ : { إن يكن } ولما كانت لذة الخطاب تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية الوثوق بالوعد ، عدل عن الغيبة فقال : { منكم عشرون } أي رجلاً : { صابرون } أي الصبر المتقدم { يغلبوا مائتين } أي من الكفار ، والآية من الوعد الصادق الذي حققه وقائع الصحابة رضي الله عنهم { وإن يكن منكم مائة } أي صابرة { يغلبوا ألفاً } أي كائنين { من الذين كفروا } فالآية{[35274]} من الاحتباك : أثبت في الأول وصف الصبر دليلاً على حذفه ثانياً ، وفي{[35275]} الثاني الكفر دليلاً على حذفه أولاً ؛ ولعل{[35276]} ما أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة للأمر بالتحريض ، أي حرضهم لأني أعنت كلاً منهم على عشرة ، فلا عذر لهم في التواني ؛ وعلل علوهم عليهم{[35277]} وغلبتهم لعن على هذا الوجه بقوله : { بأنهم } أي هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده بسبب أنهم ، أي الكفار { قوم لايفقهون* } أي ليس لهم فقه يعلمون به علم الحرب الذي دربه أهل الإيمان وإن كنتم ترونهم أقوياء الأبدان فيهم كفاية للقيام بما ينوبهم من أمر الدنيا لأنهم أبدان بغير معان ، كما أن الدنيا كذلك صورة بلا روح ، لأنهم لم يبنوا مصادمتهم على تلك الدعائم الخمس التي قدمتها لكم وألهمتكم إياها في بدر ، فمن لم يجمعها لم يفقه الحرب ، لأن الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع إليه لم يفلح ، وذلك الرئيس إن لم يكن أمره مستنداً إلى ملك الملوك كان قلبه ضعيفاً ، وعزمه - وإن كثرت جموعه - مضطرباً ، فإنهم يكونون صوراً لا معاني لها ، والصور منفعله لا فعالة ، والمعاني هي الفعالة ، والمعتمد على الله صورته مقترنة بالمعنى ، فأقل ما يكون في مقابلة اثنين من أعدائه كما حط{[35278]} عليه الأمر في الجهاد ، ولعل هذا هو السر في انتصار الخوارج - من أتباع شبيب{[35279]} وأنظاره{[35280]} على قلتهم - على الجيوش التي كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم على كثرتهم ، فإن الخوارج معتقدون أن قتالهم لله مستندين في هذا الاعتقاد إلى ظلم أولئك الملوك وخروجهم عن أمر الله ، والذين يلقونهم عن أولئك الملوك وإن اعتقدوا أنهم أهل طاعة لطاعتهم الإمام الواجب طاعته{[35281]} ، لكنهم يعلمون أن استناد إمامهم إلى الله ضعيف لمخالفته لمنهاج الاستقامة ، وذلك الرئيس نفسه معتقد ذلك وأن ولايته مفسدة{[35282]} ، وأن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لقتاله إنما هو{[35283]} درء لأعظم المفسدتين ، فصار استناد الخوارج إلى ملك الملوك اعظم من استناد أولئك ، {[35284]}ولهذا نشأ عن استناد الخوارج الزهد الذي هو أعظم أسباب النصر ، ونشأ عن استناد أولئك{[35285]} الملوك الإخلاد إلى الدنيا الذي هو أعظم الموجبات للخذلان ، مصداق ذلك أنهم لما خرجوا على علي رضي الله عنه فسار فيهم بسنة الله من اللطف بهم وتقديم وعظهم والإعذار إليهم وردهم إلى الله فلما لم يقبلوا قصدهم في ساعة ، قال له بعض من كان يعتني بالنجوم : إنها ساعة نحس ، أن سار فيها خذل ، فقال : سيروا فيها فإنه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم منجمون ، فلما لقي الخوارج لم{[35286]} يواقفوه حلب ناقه ولا أفلت منهم أحد ولا قتل من جماعته إنسان ؛ وفهم الإيجاب في قوله تعالى { إن يكن منكم عشرون } – الآية وأن الخبر فيه بمعنى الأمر من قوله : { الآن خفف الله . . . }
قوله : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } { حرض } ، من التحريض وهو الحث والإحماء{[1690]} يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحث المؤمنين ويحضهم حضا على قتال الأعداء في شجاعة وإقدام ؛ فلا يجبنوه ولا ينثنون ولا يتخاذلون ولا يولون الأدبار عند اللقاء ؛ فإنه لا يولي دبره عند اللقاء خائرا إلا الأنذال والخاسرون . ومن أجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال وعند مواجهة عدوهم . ونظير ذلك ما قاله لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في أعدادهم وجموعهم : ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) .
قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } ذلك تبشير من الله للمؤمنين بالنصر إن واجه الواحد منهم العشرة من الكافرين . لسوف ينصر الله المؤمنين على قلتهم إن كانوا صابرين ثابتين محتسبين . ثم نسخ هذا التكليف وبقيت البشارة وذلك أنه شق عليهم حين فرض الله عليهم أن لا يفر الواحد منهم من العشرة من الكافرين في القتال . وروي عن ابن عباس قال : لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } شق ذلك على المسلمين حتى فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ثم جاء التخفيف فقال : { الآن خفف الله عنكم } إلى قوله : { يغلبوا مائتين } وروي البخاري نحوه . وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين . ثم خفف الله عنهم فقال : { لآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين .
وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس : نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ، ومائة ألفا . فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم . وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم .
قال القرطبي في ذلك : حديث ابن عباس يدل على أن ذلك فرض . ولما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين . فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين ؛ فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ . وهذا حسن{[1691]} .
قوله : { بأنهم قوم لا يفقهون } أي بسبب أن الكافرين سخفاء ، وأنهم تافهون أشقياء يقاتلون في سبل الشيطان ، ويموتون من أجل الباطل ؛ حيث الأهواء والشهوات والسفاسف الرخيصة ، غير عابئين بمرضاة الله ولا مكترثين بأيما احتساب للثواب عنده ؛ فلا يستحقون بذلك من الله نصرا . إنما النصر للمؤمنين الذين يقاتلون على بصيرة طلبا لمرضاة الله وسعيا لنشر الحق والعدل وإشاعة الفضيلة والرحمة بين الناس .
وقد بينا آنفا أن الله خفف عن المسلمين في عدد الذين يتوجب عليهم الثبات عند اللقاء فلا يفرون ؛ فأوجب عليهم أن لا يفر الرجل من الرجلين ، وأن تصبر العشرة للعشرين ، والمائة للمائتين ، فإنهم ؛ إن أعدوا وصبروا وتوكلوا على الله ، فإن الله ناصرهم ، وهازم عدوهم{[1692]} .