الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا} (26)

ثم أنزل في بر الأقارب وصلة أرحامهم بالإحسان إليهم قوله { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } مما جعل الله لهما من الحق في المال { ولا تبذر تبذيرا } يقول لا تنفق في غير الحق

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا} (26)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وآت ذا القربى حقه " أي كما راعيت حق الوالدين فصل الرحم ، ثم تصدق على المسكين وابن السبيل . وقال علي بن الحسين في قوله تعالى : " وآت ذا القربى حقه " : هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال ، أي من سهم ذوي القربى من الغزو والغنيمة ، ويكون خطابا للولاة أو من قام مقامهم . والحق في هذه الآية ما يتعين من صلة الرحم ، وسد الخلة ، والمواساة عند الحاجة بالمال ، والمعونة بكل وجه .

الثانية : قوله تعالى : " ولا تبذر " أي لا تسرف في الإنفاق في غير حق . قال الشافعي رضي الله عنه : والتبذير إنفاق المال في غير حقه ، ولا تبذير في عمل الخير . وهذا قول الجمهور . وقال أشهب عن مالك : التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه ، وهو الإسراف ، وهو حرام لقوله تعالى : " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " وقوله : " إخوان " يعني أنهم في حكمهم ؛ إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين ، أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم ، أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار ، ثلاثة أقوال . والإخوان هنا جمع أخ من غير النسب ، ومنه قوله تعالى : " إنما المؤمنون إخوة{[10202]} " [ الحجرات : 10 ] . وقوله تعالى : " وكان الشيطان لربه كفورا " أي احذروا متابعته والتشبه به في الفساد . والشيطان اسم الجنس . وقرأ الضحاك " إخوان الشيطان " على الانفراد ، وكذلك ثبت في مصحف أنس بن مالك رضي الله عنه .

الثالثة : من أنفق مال في الشهوات زائدا على قدر الحاجات وعرضه بذلك للنفاد فهو مبذر . ومن أنفق ربح مال في شهواته وحفظ الأصل أو الرقبة فليس بمبذر . ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر ، ويحجر عليه في نفقته الدرهم في الحرام ، ولا يحجر عليه إن بذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد .


[10202]:راجع ج 16 ص 322.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا} (26)

قوله تعالى : { وآت ذا القربى حقه والمساكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ( 26 ) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ( 27 ) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ( 28 ) } بعد الأمر ببر الوالدين وطاعتهما عطف بذكر الإحسان إلى أولي القربى والمساكين وأبناء السبيل . والظاهر أن الخطاب لعامة المسلمين ليضطلعوا بما يناط بهم من واجب الإنفاق على من تجب لهم النفقة فقال : ( وآت ذا القربى حقه ) فتجب النفقة على المقتدر لمحارمه الأقارب إن كانوا محتاجين . فما تبرأ ذمة المكلف من واجب الإنفاق على المحاويج من أقاربه المحارم حتى يؤدي لهم النفقة . وفي ذلك من سدّ لخلتهم ومواساة لهم وتأليف لقلوبهم واستدرار مودتهم ما لا يخفى .

وكذلك المسكين . وقد تقدم الكلام في معناه سابقا . وجملة ذلك : أن المسكين من لا شيء له يكفي عياله . وقيل : الفقير القاعد في بيته لا يسأل الناس ، والمسكين الذي يسأل . وقيل : الفقير الذي له بعض ما يقيمه ، والمسكين أسوأ حالا من الفقير . وهو قول الجمهور من العلماء{[2672]} ؛ فإنه يدفع إليه ما يفي بقوته وقوت عياله .

وكذلك ابن السبيل ، وهو المسافر المنقطع به ، وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يتبلغ به{[2673]} ، وهذا يستوجب أن يعطى من المال ما يعنته على سفره حتى يبلغ مقصده .

قوله : ( ولا تبذر تبذيرا ) التبذير معناه الإنفاق في غير الحق وهو الإسراف . وقيل : النفقة في معصية الله وفي غير الحق وفي الفساد . أما من أنفق في الشهوات ، هل هو مبذر ؟ فيجاب عن ذلك بأن من أنفق ماله في الشهوات زائدا على الحاجات وعرّضه بذلك للنفاذ فهو مبذر . وإذا لم يعرضه للنفاد فليس بمبذر . ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر يحجر عليه ، ولا يحجر عليه ببذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد .


[2672]:- تاج العروس جـ9 ص 237.
[2673]:- المعجم الوسيط جـ1 ص 415.