قوله تعالى : " وجاء المعذرون من الأعراب " قرأ الأعرج والضحاك " المعْذِرون " مخففا . ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم ، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس . قال الجوهري : وكان ابن عباس يقرأ " وجاء المعْذرون " مخففة ، من أعذر . ويقول : والله لهكذا أنزلت . قال النحاس : إلا أن مدارها عن الكلبي ، وهي من أعذر ، ومنه قد أعذر من أنذر ، أي قد بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك . وأما " المعذرون " بالتشديد ففيه قولان : أحدهما أنه يكون المحق ، فهو في المعنى المعتذر ، لأن له عذرا . فيكون " المعذرون " على هذه أصله المعتذرون ، ولكن التاء قلبت ذالا فأدغمت فيها وجعلت حركتها على العين ؛ كما قرئ " يخصمون{[8198]} " [ يس : 49 ] بفتح الخاء . ويجوز " المعذرون " بكسر العين لاجتماع الساكنين . ويجوز ضمها اتباعا للميم . ذكره الجوهري والنحاس . إلا أن النحاس حكاه عن الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيد . ويجوز أن يكون الأصل المعتذرون ، ثم أدغمت التاء في الذال ، ويكونون الذين لهم عذر . قال لبيد :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما*** ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
والقول الآخر أن المعذر قد يكون غير محق ، وهو الذي يعتذر ولا عذر له . قال الجوهري : فهو المعذر على جهة المفعل ؛ لأنه الممرض والمقصر يعتذر بغير عذر . قال غيره : يقال عذر فلان في أمر كذا تعذيرا ، أي قصر ولم يبالغ فيه . والمعنى أنهم اعتذروا بالكذب . قال الجوهري : وكان ابن عباس يقول : لعن الله المعذرين . كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر ، اعتلالا من غير حقيقة له في العذر . النحاس : قال أبو العباس محمد بن يزيد ولا يجوز أن يكون الأصل فيه المعتذرين ، ولا يجوز الإدغام فيقع اللبس . ذكر إسماعيل بن إسحاق أن الإدغام مجتنب على قول الخليل وسيبويه ، بعد{[8199]} أن كان سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم ، قال : لأنهم جاؤوا ليؤذن لهم ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا . قال النحاس : وأصل المعذرة والإعذار والتعذير من شيء واحد وهو مما يصعب ويتعذر . وقول العرب : من عذيري من فلان ، معناه قد أتى أمرا عظيما يستحق أن أعاقبه عليه ولم يعلم الناس به ؛ فمن يعذرني إن عاقبته . فعلى قراءة التخفيف قال ابن عباس : هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل قالوا : يا رسول الله ، لو غزونا معك أغارت أعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا ، فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى قراءة التشديد في القول الثاني ، هم قوم من غفار اعتذروا فلم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، لعلمه أنهم غير محقين ، والله أعلم . وقعد قوم بغير عذر أظهروه جرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم الذين أخبر الله تعالى عنهم فقال : " وقعد الذين كذبوا الله ورسوله " والمراد بكذبهم قولهم : إنا مؤمنون . و " ليؤذن " نصب بلام كي .
قوله تعالى : { وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } { المعذرون } ، بالتشديد ، في قراءة الجمهور . وفي تأوليه وجهان . أحدهما : أن يكون أصله المعتذرين ، وهو جمع معتذر ، وقد أدغمت التاء في الذال . وهو المحق الذي له عذر .
ثانيهما : أن يكون المعذر ، بالتشديد ، غير محق ؛ لأنه ليس له عذر ، أو هو الذي يعتذر بغي عذر . وعلى هذا فالمعذرون مبطلون ؛ لأنهم اصطنعوا أعذرا لا أصل لها ؛ فيكون المعنى : أن هؤلاء الأعراب{[1868]} جاءوا بأعذارهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محقين أو مبطلين –على الوجهين السابقين- لكي يأذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف عن القتال { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } وهذه طائفة أخرى قعدوا عن الجهاد من غير أن يعتذروا ، وهم منافقون من الأعراب قد كذبوا على الله ورسوله واعتذروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالباطل .
قوله : { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } وهذا وعيد من الله للمنافقين الجاحدين الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اصطنعوه من كاذب الأعذار . أو الذين قعدوا عن الجهاد دون اعتذار . لقد توعدهم الله جميعا بأليم العذاب في هذه الدنيا ، بافتضاحهم وإيقاعهم في الخزي والذل . وكذلك في النار وبئس المصير والقرار{[1869]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.