مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (5)

قوله تعالى : { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } .

يستدعى فعلا سابقا { ليدخل } فإن من قال ابتداء لتكرمني لا يصح ما لم يقل قبله جئتك أو ما يقوم مقامه وفي ذلك الفعل وجوه وضبط الأحوال فيه بأن تقول ذلك الفعل إما أن يكون مذكورا بصريحه أو لا يكون ، وحينئذ ينبغي أن يكون مفهوما ، فإما أن يكون مفهوما من لفظ يدل عليه بل فهم بقرينة حالية فإن كان مذكورا فهو يحتمل وجوها ( أحدها ) قوله { ليزدادوا إيمانا } كأنه تعالى أنزل السكينة ليزدادوا إيمانا بسبب الإنزال ليدخلهم بسبب الإيمان جنات ، فإن قيل فقوله { يعذب } عطف على قوله { ليدخل } وازدياد إيمانهم لا يصلح سببا لتعذيبهم ، نقول بلى وذلك من وجهين ( أحدهما ) أن التعذيب مذكور لكونه مقصودا للمؤمنين ، كأنه تعالى يقول بسبب ازديادكم في الإيمان يدخلكم في الآخرة جنات ويعذب بأيديكم في الدنيا الكفار والمنافقين ( الثاني ) تقديره ويعذب بسبب ما لكم من الازدياد ، يقال فعلته لأجرب به العدو والصديق أي لأعرف بوجوده الصديق وبعدمه العدو فكذلك ليزداد المؤمن إيمانا فيدخله الجنة ويزداد الكافر كفرا فيعذبه به ( ووجه آخر ثالث ) وهو أن سبب زيادة إيمان المؤمنين بكثرة صبرهم وثباتهم فيعيي المنافق والكافر معه ويتعذب وهو قريب مما ذكرنا ( الثاني ) قوله { وينصرك الله } كأنه تعالى قال وينصرك الله بالمؤمنين ليدخل المؤمنين جنات ( الثالث ) : قوله { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } على قولنا المراد ذنب المؤمن كأنه تعالى قال ليغفر لك ذنب المؤمنين ، ليدخل المؤمنين جنات ، وأما إن قلنا هو مفهوم من لفظ غير صريح فيحتمل وجوها أيضا ( أحدها ) قوله { حكيما } يدل على ذلك كأنه تعالى قال : الله حكيم ، فعل ما فعل ليدخل المؤمنين جنات ( وثانيها ) قوله تعالى : { ويتم نعمته عليك } في الدنيا والآخرة ، فيستجيب دعاءك في الدنيا ويقبل شفاعتك في العقبى { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات } ( ثالثها ) قوله { إنا فتحنا لك } ووجهه هو أنه روي أن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هنيئا لك إن الله غفر لك فماذا لنا ؟ فنزلت هذه الآية كأنه تعالى قال : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك وفتحنا للمؤمنين ليدخلهم جنات ، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم من غير مقال بل من قرينة الحال ، فنقول هو الأمر بالقتال لأن من ذكر الفتح والنصر علم أن الحال حال القتال ، فكأنه تعالى قال إن الله تعالى أمر بالقتال ليدخل المؤمنين ، أو نقول عرف من قرينة الحال أن الله اختار المؤمنين ليدخلهم جنات .

المسألة الرابعة : قال هاهنا وفي بعض المواضع { المؤمنين والمؤمنات } وفي بعض المواضع اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كما في قوله تعالى : { وبشر المؤمنين } وقوله تعالى : { قد أفلح المؤمنون } فما الحكمة فيه ؟ نقول في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالجزاء الموعود به مع كون المؤمنات يشتركن معهم ذكرهن الله صريحا ، وفي المواضع التي ليس فيها ما يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين فقوله { وبشر المؤمنين } مع أنه علم من قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا } العموم لا يوهم خروج المؤمنات عن البشارة ، وأما هاهنا فلما كان قوله تعالى : { ليدخل المؤمنين } لفعل سابق وهو إما الأمر بالقتال أو الصبر فيه أو النصر للمؤمنين أو الفتح بأيديهم على ما كان يتوهم لأن إدخال المؤمنين كان للقتال ، والمرأة لا تقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها صرح الله بذكرهن ، وكذلك في المنافقات والمشركات ، والمنافقة والمشركة لم تقاتل فلا تعذب فصرح الله تعالى بذكرهن ، وكذلك في قوله تعالى : { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } لأن الموضع موضع ذكر النساء وأحوالهن لقوله { ولا تبرجن . . . وأقمن . . . وءاتين . . . وأطعن } وقوله { واذكرن ما يتلى في بيوتكن } فكان ذكرهن هناك أصلا ، لكن الرجال لما كان لهم ما للنساء من الأجر العظيم ذكرهم وذكرهن بلفظ مفرد من غير تبعية لما بينا أن الأصل ذكرهن في ذلك الموضع .

المسألة الخامسة : قال الله تعالى : { ويكفر عنهم سيئاتهم } بعد ذكر الإدخال مع أن تكفير السيئات قبل الإدخال ؟ نقول الجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) الواو لا تقتضي الترتيب ( الثاني ) تكفر السيئات والمغفرة وغيرهما من توابع كون المكلف من أهل الجنة ، فقدم الإدخال في الذكر بمعنى أنه من أهل الجنة ( الثالث ) وهو أن التكفير يكون بإلباس خلع الكرامة وهي في الجنة ، وكان الإنسان في الجنة تزال عنه قبائح البشرية الجرمية كالفضلات ، والمعنوية كالغضب والشهوة وهو التكفير وتثبت فيه الصفات الملكية وهي أشرف أنواع الخلع ، وقوله تعالى : { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } فيه وجهان ( أحدهما ) مشهور وهو أن الإدخال والتكفير في الله فوز عظيم ، يقال عندي هذا الأمر على هذا الوجه ، أي في اعتقادي ( وثانيهما ) أغرب منه وأقرب منه عقلا ، وهو أن يجعل عند الله كالوصف لذلك كأنه تعالى يقول ذلك عند الله ، أي بشرط أن يكون عند الله تعالى ويوصف أن يكون عند الله فوز عظيم حتى أن دخول الجنة لو لم يكن فيه قرب من الله بالعندية لما كان فوزا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (5)

وقوله سبحانه : { ليُدْخلَ الْمُؤْمنين وَالمُؤْمنَت جَنَّات تَجْري منْ تَحْتهَا الأنْهَارُ خَالدينَ فيهَا } متعلق بما يدل عليه ما ذكر من كون جنود السموات والأرض له جل شأنه من معنى التصرف والتدبير ، وقد صرح بعض الأفاضل بانه كناية عنه أي دبر سبحانه ما دبر من تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة الله تعالى في ذلك ويشكروها فيدخلهم الجنة فالعلة في الحقيقة معرفة النعمة وشكرها لكنها لما كانت سبباً لدخول الجنة أقيم المسبب مقام السبب .

وقيل : متعلق بفتحنا ، وقيل : بانزل ، وتعلقه بذلك مع تعلق اللام الأخرى به مبني على تعلق الأول به مطلقاً والثاني مقيداً وتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين وإلا فلا يتعلق بعامل واحد حرفاً جر بمعنى واحد من غير اتباع ، وقيل : متعلق بينصرك ، وقيل : بيزداد ، وقيل : بجميع ما ذكر إما على التنازع والتقدير أو بتقدير ما يشمل ذلك كفعل سبحانه ما ذكر ليدخل الخ ، وقيل : هو بدل من ليزداد بدل اشتمال فإن ادخال المؤمنين والمؤمنات الجنة وكذا ما عطف عليه مستلزم لزيادة الإيمان وبدل الاشتمال يعتمد على ملابسة ما بين المبدل والمبدل منه بحيث يشعر أحدهما بالآخر غير الكلية والبعضية ، ولعل الأظهر الوجه الأول ، وضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين دفعا لتوهم اختصاص الحكم بالذكور لأجل الجهاد والفتح على أيديهم ، وكذا في كل موضع يوهم الاختصاص يصرح بذكر النساء ، ويقال نحو ذلك فيما بعد كذا قيل : واخرج ابن جرير . وجماعة عن أنس قال : «أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] في مرجعه من الحديبية فقال : لقد أنزلت على آية هي أحب إلى مما على الأرض ثم قرأها عليهم فقالوا : هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بين الله تعالى لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت { ليدخل المؤمنين والمؤمنات } حتى بلغ { فوزاً عظيماً } »

{ وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم } أي يغطيها ولا يظهرها ، والمراد يمحوها سبحانه ولا يؤاخذهم بها ، وتقديم الادخال في الذكر على التكفير مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلوب إلا على كذا قال غير واحد ، ويجوز عندي أن يكون التكفير في الجنة على أن المعنى يدخلهم الجنة ويغطي سيآتهم ويسترها عنهم فلا تمر لهم ببال ولا يذكرونها أصلاً لئلا يخجلوا فيتكدر صفو عيشهم ، وقد مر مثل ذلك .

{ وَكَانَ ذلك } أي ما ذكر من الادخال والتكفير { عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً } لا يقادر قدره لأنه منتهى ما تمتد إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر ، و { عَندَ الله } حال من { فَوْزاً } لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها أعربت حالاً ، وكونه يجوز فيه الحالية إذا تأخر عن { عَظِيماً } لاضير فيه كما توهم أي كائناً عند الله تعالى أي في علمه سبحانه وقضائه جل شأنه ، والجملة اعتراض مقرر لما قبله .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (5)

{ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } فهذا أعظم ما يحصل للمؤمنين ، أن يحصل لهم المرغوب المطلوب بدخول الجنات ، ويزيل عنهم المحذور بتكفير السيئات . { وَكَانَ ذَلِكَ } الجزاء المذكور للمؤمنين { عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا } فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين .