المرتبة الثانية : من مراتب سعاداتهم ودرجات كمالاتهم قوله سبحانه وتعالى : { دعواهم فيها سبحانك اللهم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في { دعواهم } وجوه : الأول : أن الدعوى ههنا بمعنى الدعاء ، يقال : دعا يدعو دعاء ودعوى ، كما يقال : شكى يشكو شكاية وشكوى . قال بعض المفسرين : { دعواهم } أي دعاؤهم . وقال تعالى في أهل الجنة : { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } وقال في آية أخرى { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين } ومما يقوى أن المراد من الدعوى ههنا الدعاء ، هو أنهم قالوا : اللهم . وهذا نداء لله سبحانه وتعالى ، ومعنى قولهم : { سبحانك اللهم } إنا نسبحك ، كقول القانت في دعاء القنوت : «اللهم إياك نعبد » الثاني : أن يراد بالدعاء العبادة ، ونظيره قوله تعالى : { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } أي وما تعبدون . فيكون معنى الآية أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف ، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى . الثالث : قال بعضهم : لا يبعد أن يكون المراد من الدعوى نفس الدعوى التي تكون للخصم على الخصم . والمعنى : أن أهل الجنة يدعون في الدنيا وفي الآخرة تنزيه الله تعالى عن كل المعايب والإقرار له بالإلهية . قال القفال : أصل ذلك أيضا من الدعاء ، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما . الرابع : قال مسلم : { دعواهم } أي قولهم وإقرارهم ونداؤهم ، وذلك هو قولهم : { سبحانك اللهم } الخامس : قال القاضي : المراد من قوله : { دعواهم } أي طريقتهم في تمجيد الله تعالى وتقديسه وشأنهم وسنتهم . والدليل على أن المراد ذلك أن قوله : { سبحانك اللهم } ليس بدعاء ولا بدعوى ، إلا أن المدعي للشيء يكون مواظبا على ذكره ، لا جرم جعل لفظ الدعوى كناية عن تلك المواظبة والملازمة . فأهل الجنة لما كانوا مواظبين على هذا الذكر ، لا جرم أطلق لفظ الدعوى عليها .
السادس : قال القفال : قيل في قوله : { لهم ما يدعون } أي ما يتمنونه ، والعرب تقول : ادع ما شئت علي ، أي تمن . وقال ابن جريج : أخبرت أن قوله : { دعواهم فيها سبحانك اللهم } هو أنه إذا مر بهم طير يشتهونه قالوا { سبحانك اللهم } فيأتيهم الملك بذلك المشتهى ، فقد خرج تأويل الآية من هذا الوجه ، على أنهم إذا اشتهوا الشيء قالوا سبحانك اللهم ، فكان المراد من دعواهم ما حصل في قلوبهم من التمني ، وفي هذا التفسير وجه آخر هو أفضل وأشرف مما تقدم ، وهو أن يكون المعنى أن تمنيهم في الجنة أن يسبحوا الله تعالى ، أي تمنيهم لما يتمنونه ، ليس إلا في تسبيح الله تعالى وتقديسه وتنزيهه . السابع : قال القفال أيضا : ويحتمل أن يكون المعنى في الدعوى ما كانوا يتداعونه في الدنيا في أوقات حروبهم ممن يسكنون إليه ويستنصرونه ، كقولهم : يا آل فلان ، فأخبر الله تعالى أن أنسهم في الجنة بذكرهم الله تعالى ، وسكونهم بتحميدهم الله . ولذتهم بتمجيدهم الله تعالى .
المسألة الثانية : أن قوله : { سبحانك اللهم } فيه وجهان :
الوجه الأول : قول من يقول : إن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر علامة على طلب المشتهيات قال ابن جريج : إذا مر بهم طيرا اشتهوه ؛ قالوا سبحانك اللهم فيؤتون به ، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا : { الحمد لله رب العالمين } وقال الكلبي : قوله : { سبحانك اللهم } علم بين أهل الجنة والخدام ، فإذا سمعوا ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون . واعلم أن هذا القول عندي ضعيف جدا ، وبيانه من وجوه : أحدها : أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر العالي المقدس علامة على طلب المأكول والمشروب والمنكوح ، وهذا في غاية الخساسة . وثانيها : أنه تعالى قال في صفة أهل الجنة : { ولهم ما يشتهون } فإذا اشتهوا أكل ذلك الطير ، فلا حاجة بهم إلى الطلب ، وإذا لم يكن بهم حاجة إلى الطلب ، فقد سقط هذا الكلام . وثالثها : أن هذا يقتضي صرف الكلام عن ظاهره الشريف العالي إلى محمل خسيس لا إشعار للفظ به ، وهذا باطل .
الوجه الثاني : في تأويل هذه الآية أن نقول : المراد اشتغال أهل الجنة بتقديس الله سبحانه وتمجيده والثناء عليه ، لأجل أن سعادتهم في هذا الذكر وابتهاجهم به وسرورهم به ، وكمال حالهم لا يحصل إلا منه ، وهذا القول هو الصحيح الذي لا محيد عنه . ثم على هذا التقدير ففي الآية وجوه : أحدها : قال القاضي : إنه تعالى وعد المتقين بالثواب العظيم ، كما ذكر في أول هذه السورة من قوله : { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } فإذا دخل أهل الجنة الجنة ، ووجدوا تلك النعم العظيمة ، عرفوا أن الله تعالى كان صادقا في وعده إياهم بتلك النعم ، فعند هذا قالوا : { سبحانك اللهم } أي نسبحك عن الخلف في الوعد والكذب في القول . وثانيها : أن نقول : غاية سعادة السعداء ، ونهاية درجات الأنبياء والأولياء استسعادهم بمراتب معارف الجلال .
واعلم أن معرفة ذات الله تعالى والاطلاع على كنه حقيقته مما لا سبيل للخلق إليه ، بل الغاية القصوى معرفة صفاته السلبية أو صفاته الإضافية . أما الصفات السلبية فهي المسماة بصفات الجلال ، وأما الصفات الإضافية فهي المسماة بصفات الإكرام ، فلذلك كان كمال الذكر العالي مقصور عليها ، كما قال سبحانه وتعالى : { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " ولما كانت السلوب متقدمة بالرتبة على الإضافات ، لا جرم كان ذكر الجلال متقدما على ذكر الإكرام في اللفظ . وإذا ثبت أن غاية سعادة السعداء ليس إلا في هذين المقامين ، لا جرم ذكر الله سبحانه وتعالى كونهم مواظبين على هذا الذكر العالي المقدس ، ولما كان لا نهاية لمعارج جلال الله ولا غاية لمدارج إلهيته وإكرامه وإحسانه ، فكذلك لا نهاية لدرجات ترقي الأرواح المقدسة في هذه المقامات العلية الإلهية . وثالثها : أن الملائكة المقربين كانوا قبل تخليق آدم عليه السلام مشتغلين بهذا الذكر ، ألا ترى أنهم قالوا : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } فالحق سبحانه ألهم السعداء من أولاد آدم ، حتى أتوا بهذا التسبيح والتحميد ، ليدل ذلك على أن الذي أتى به الملائكة المقربون قبل خلق العالم من الذكر العالي ، فهو بعينه أتى به السعداء من أولاد آدم عليه السلام ، بعد انقراض العالم ، ولما كان هذا الذكر مشتملا على هذا الشرف العالي ، لا جرم جاءت الرواية بقراءته في أول الصلاة ، فإن المصلي إذا كبر قال : «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك » .
المرتبة الثالثة : من مراتب سعادات أهل الجنة قوله تعالى : { وتحيتهم فيها سلام } قال المفسرون : تحية بعضهم لبعض تكون بالسلام ، وتحية الملائكة لهم بالسلام ، كما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } وتحية الله تعالى لهم أيضا بالسلام كما قال تعالى : { سلام قولا من رب رحيم } قال الواحدي : وعلى هذا التقدير يكون هذا من إضافة المصدر إلى المفعول ، وعندي فيه وجه آخر : وهو أن مواظبتهم على ذكر هذه الكلمة ، مشعرة بأنهم كانوا في الدنيا في منزل الآفات وفي معرض المخافات ، فإذا أخرجوا من الدنيا ووصلوا إلى كرامة الله تعالى ، فقد صاروا سالمين من الآفات ، آمنين من المخافات والنقصانات . وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يذكرون هذا المعنى في قوله : { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب }
المرتبة الرابعة : من مراتب سعاداتهم قوله سبحانه وتعالى : { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين حملوا هذه الكلمات العالية المقدسة على أحوال أهل الجنة بسبب الأكل والشرب . فقالوا : إن أهل الجنة إذا اشتهوا شيئا قالوا : سبحانك اللهم وبحمدك ، وإذا أكلوا وفرغوا . قالوا : الحمد لله رب العالمين ، وهذا القائل ما ترقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول والمشروب ، وحقيق لمثل هذا الإنسان أن يعد في زمرة البهائم . وأما المحقون المحققون ، فقد تركوا ذلك ، ولهم فيه أقوال . روى الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم " وقال الزجاج : أعلم الله تعالى أن أهل الجنة يفتتحون بتعظيم الله تعالى وتنزيهه . ويختتمون بشكره والثناء عليه ، وأقول : عندي في هذا الباب وجوه أخر : فأحدها : أن أهل الجنة لما استسعدوا بذكر سبحانك اللهم وبحمدك ، وعاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات والمخافات ، علموا أن كل هذه الأحوال السنية والمقامات القدسية ، إنما تيسرت بإحسان الحق سبحانه وإفضاله وإنعامه ، فلا جرم اشتغلوا بالحمد والثناء . فقالوا : { الحمد لله رب العالمين } وإنما وقع الختم على هذا الكلام لأن اشتغالهم بتسبيح الله تعالى وتمجيده من أعظم نعم الله تعالى عليهم . والاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة ، فلهذا السبب وقع الختم على هذه الكلمة ، وثانيها : أن لكل إنسان بحسب قوته معراجا ، فتارة ينزل عن ذلك المعراج ، وتارة يصعد إليه . ومعراج العارفين الصادقين ، معرفة الله تعالى وتسبيح الله وتحميد الله ، فإذا قالوا : { سبحانك اللهم } فهم في عين المعراج ، وإذا نزلوا منه إلى عالم المخلوقات . كان الحاصل عند ذلك النزول إفاضة الخير على جميع المحتاجين وإليه الإشارة بقوله : { وتحيتهم فيها سلام } ثم أنه مرة أخرى يصعد إلى معراجه ، وعند الصعود يقول : { الحمد لله رب العالمين } فهذه الكلمات العالية إشارة إلى اختلاف أحوال العبد بسبب النزول والعروج . وثالثها : أن نقول : إن قولنا الله اسم لذات الحق سبحانه ، فتارة ينظر العبد إلى صفات الجلال ، وهي المشار إليها بقوله : { سبحانك } ثم يحاول الترقي منها إلى حضرة جلال الذات ، ترقيا يليق بالطاقة البشرية ، وهي المشار إليها بقوله : { اللهم } فإذا عرج عن ذلك المكان . واخترق في أوائل تلك الأنوار رجع إلى عالم الإكرام ، وهو المشار إليه بقوله : { الحمد لله رب العالمين } فهذه كلمات خطرت بالبال ودارت في الخيال ، فإن حقت فالتوفيق من الله تعالى ، وإن لم يكن كذلك فالتكلان على رحمة الله تعالى .
المسألة الثانية : قال الواحدي : { أن } في قوله : { أن الحمد لله } هي المخففة من الشديدة ، فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله :
على معنى أنه هالك . وقال صاحب «النظم » { أن } ههنا زائدة ، والتقدير : وآخر دعواهم الحمد لله رب العالمين ، وهذا القول ليس بشيء ، وقرأ بعضهم { أن } الحمد لله بالتشديد ، ونصب الحمد .
{ دَعْوَاهُمْ } أي دعاؤهم وهو مبتدأ ، وقوله تعالى شأنه : { فِيهَا } متعلق به ، وقوله سبحانه : { سبحانك اللهم } خبره أي دعاؤهم هذا الكلام ، والدعوى وإن اشتهرت بمعنى الادعاء لكنها وردت بما ذكرنا أيضاً ، وكون الخبر من جنس الدعاء يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم : «أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير » والظاهر أن إطلاق الدعاء على ذلك مجاز وهو الذي يفهمه كلام ابن الأثير حيث قال : إنما سمى التهليل والتحميد والتمجيد دعاء لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله تعالى وجزائه . وفي الحديث «إذا شغل عبدي ثناؤه على من مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين » وجاءت بمعنى العبادة كما في قوله سبحانه : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ مريم : 48 ] وجوز إرادته هنا والمراد نفي التكليف أي لا عيادة لهم غير هذا القول وليس ذلك بعبادة وإنما يلهمونه وينطقون به تلذذاً لا تكليفاً . ونظير ذلك قوله سبحانه : { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً } [ الأنفال : 35 ] وفيه خفاء كما لا يخفى وقد يقال : يأتي نظير هذا في الآية على احتمال أن يراد بالدعوى الدعاء حقيقة فيكون المعنى على طرز ما قرر أنه لا سؤال لهم من الله تعالى سوى ذلك ، ومن المعلوم أن ذلك ليس بسؤال فيفيد أنه لا سؤال لهم أصلاً .
والغرض من ذلك الإشارة إلى حصول جميع مقاصدهم بالفعل فليس بهم حاجة إلى سؤال شيء إلا أن فيه ما فيه ونصب سبحان على المصدرية لفعل محذوف وجوباً وهو بمعنى التسبيح . وقدرت الجملة اسمية أي أنا نسبحك تسبيحاً لأنها أبلغ والجمل التي بعدها كذلك ، و { اللهم } بتقدير يا ألله حذف حرف النداء وعوض عنه الميم وتمام الكلام فيه وفيما قبله قد تقدم لك فتذكر ، وكان القياس تقديم الاسم الجليل لأن النداء يقدم على الدعاء لكنه استعمل في التسبيح كذلك قيل : لأنه تنزيه عن جميع النقائص وفي النداء ربما يتوهم ترك الأدب .
{ وَتَحِيَّتُهُمْ } أي ما يحيون به { فِيهَا سلام } أي سلامتهم من كل مكروه ، وهو خبر { تَحِيَّتُهُمْ } و { فِيهَا } متعلق بها ، والتحية والتكرمة بالحال الجليلة وأصلها أحياك الله تعالى حياة طيبة ، وإضافتها هنا إلى المفعول ، والفاعل أما الله سبحانه أي تحية الله تعالى إياهم ذلك ويرشد إليه قوله عز وجل : { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ ياس : 58 ] أو الملائكة عليهم السلام ويرشد إليه قوله سبحانه : { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام } [ الرعد : 23 ] .
( وجوز أن تكون الإضافة إلى الفاعل بتقدير مضاف أي تحية بعضهم بعضاً آخر ذلك .
وقد يعتبر البعض المقدر مفعولاً فالإضافة إلى المفعول والفعل محذوف ، وقيل : يجوز أن يكون مما أضيف فيه المصدر لفاعله ومفعوله معاً إذا كان المعنى يحيي بعضهم بعضاً ، ونظيره في الإضافة إلى الفاعل والمفعول قوله تعالى : { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين } [ الأنبياء : 87 ] حيث أضيف حكم إلى ضمير داود وسليمان عليهما السلام وهما حاكمان وغيرهما وهم المحكوم عليهم ، وليس ذلك من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز المختلف فيه حيث أن إضافة المصدر لفاعله حقيقة ولمفعوله مجاز لأنه لا خلاف في جواز الجمع إذا كان المجاز عقلياً إنما الخلاف فيه إذا كان لغوياً { دعواهم فِيهَا } أي خاتمة دعائهم { أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } أي أنه الحمد لله فأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف والجملة الاسمية خبرها وأن ومعمولاها خبر آخر ، وليست مفسرة لفقد شرطها ، ولا زائدة لأن الزيادة خلاف الأصل ولا داعي إليها ، على أنه قد قرأ ابن محيصن . ومجاهد . وقتادة . ويعقوب بتشديدها ونصب { الحمد } وفي ذلك دليل لما قلنا ، والظاهر أن تحقق مضمون هذه الجمل لكونها اسمية على سبيل الدوام والاستمرار وفي الإخبار ما يؤيده ، فلعل القوم لما دخلوا الجنة حصل لهم من العلم بالله تعالى ما لم يحصل لهم قبله على اختلاف مراتبهم .
وقد صرح مولانا شهاب الدين السهروردي في بعض رسائله في الكلام بتفاوت أهل الجنة في المعرفة فقال : أن عوام المؤمنين في الجنة يكونون في العلم كالعلماء في الدنيا والعلماء فيها يكونون كالأنبياء عليهم السلام في الدنيا والأنبياء عليهم السلام يكونون في ذلك كنبينا صلى الله عليه وسلم ويكون لنبينا عليه الصلاة والسلام من العلم بربه سبحانه الغاية القصوى التي لا تكون لملك مقرب ولا لنبي مرسل ، ويمكن أن يكون ذلك المقام المحمود ، ولا يبعد عندي أنهم مع تفاوتهم في المعرفة لا يزالون يترقبون فيها على حسب مراتبهم ، والسير في الله سبحانه غير متناه والوقوف على الكنه غير ممكن ، وحينئذٍ التفاوت في معرفة الصفات وهي كما قيل إما سلبية وتسمى بصفات الجلال لأنها يقال فيها : جل عن كذا جل عن كذا وإما غيرها وتسمى بصفات الإكرام وبذلك فسر قوله تعالى : { تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام } [ الرحمن : 78 ] فلا يزالون يدعون الله تعالى بالتسبيح الذي هو إشارة إلى نعته بنعوت الجلال وبالتحميد الذي هو إشارة إلى وصفه بصفات الإكرام ، والدوام عرفي وهو أكثر من أن يحصى ، وقوله عليه الصلاة والسلام في وصف أهل الجنة كما في «صحيح مسلم » : " يسبحون الله تعالى بكرة وعشياً " يؤيد بظاهره ذلك ، والمراد بالبكر والعشية كما قال النووي قدرهما ، وظاهر الآية أنهم يقدمون نعته تعالى بنعوت الجلال ويختمون دعاءهم بوصفه بصفات الإكرام لأن الأولى متقدمة على الثانية لتقدم التخلية على التحلية ، ويرشد إلى ذلك قوله سبحانه :
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] والمختار عندي كون فاعل التحية هو الله تعالى أو الملائكة عليهم السلام وحينئذٍ لا يبعد أن يكون الترتيب الذكرى حسب الترتيب الوقوعي وذلك بأن يقال : إنهم حين يشرعون بالدعاء سبحون الله تعالى وينزهونه فيقابلون بالسلام وهو دعاء بالسلامة عن كل مكروه فإن كان من الله سبحانه فهو مجاز لا محالة لاستحالة حقيقة الدعاء عليه تعالى وإن كان من الملائكة عليهم السلام فلا مانع من بقائه على حقيقته لكن يوجه الطلب فيه إلى الدوام لأن أصل السلامة حاصل لهم وإن قلنا : إنها تقبل الزيادة فلا بعد في أن يوجه إلى طلبها ، وما ألطف مقابلة التسبيح والتنزيه بالسلامة عن المكروه لقربها من ذلك معنى كما لا يخفى على المنصف ثم يختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين . وهكذا لا يزال دأبهم بكرة وعشياً كما يشير إليه خبر الصحيح ، ولعل عدم ذكر التحميد فيه اكتفاء بما في الآية وهذا ما عندي فيها . وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وأبو الشيخ عن ابن جريج قال : أخبرت أن أهل الجنة إذا مر بهم الطائر يشتهونه قالوا : سبحانك اللهم وذلك دعاؤهم به فيأتيهم الملك بما اشتهوا فإذا جاء الملك به يسلم عليهم فيردون عليه وذلك قوله تعالى : { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } فإذا أكلوا قدر حاجتهم قالوا : الحمد لله رب العالمين وذلك قوله سبحانه : { دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } وهو ظاهر في أن الترتيب الذكرى حسب الترتيب الوقوعي أيضاً لكن يدل على أن الدعوى بمعنى الدعاء ، ومعنى كون سبحانك اللهم دعاء وطلباً لما يشتهون حينئذٍ أنه علامة للطلب ، ونظير ذلك تسبيح المصلى إذا نابه شيء في صلاته وفي بعض الآثار أن هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام فإذا قالوها أتوهم بما يشتهون .
وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب مرفوعاً أنهم إذا قالوا ذلك أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم ولا بأس في ذلك . نعم في كون الحمد بعد أكل قدر حاجتهم مدلول قوله سبحانه : { دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } خفاء .
وقال القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله : لعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله سبحانه وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات أو الله تعالى فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام وهو أيضاً ظاهر في كون الترتيب الذكري كما قلنا إلا أنه تعقب بأن إضافة { ءاخَرَ } إلى { دَعْوَاهُمْ } يأباه ، وكأن وجه الإباء على ما قيل : إن ذلك على هذا آخر الحال وبأن اعتبار الفوز بالكرامات في مفهوم السلام غير ظاهر ، ولعل الأمر فدي ذلك سهل .
وقال شيخ الإسلام : لعلهم يقولون : سبحانك اللهم عندما يعاينون من تعاجيب آثار قدرته تعالى ونتائج رحمته ورأفته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر تقديساً لمقامه تعالى عن شوائب العجز والنقصان وتنزيهاً لوعده الكريم عن سمات الخلف ويكون خاتمة دعائهم أن يقولوا : الحمد لله رب العالمين نعتاً له تعالى شأنه بصفات الإكرام إثر نعته بصفات الجلال ، والمعنى دعاؤهم منحصر فيما ذكر إذ ليس لهم مطلب مترقب حتى ينظموه في سلك الدعاء ، ولعل توسيط ذكر تحيتهم عند الحكاية بين دعائهم وخاتمته للتوسل إلى ختم الحكاية بالتحميد تبركاً مع أن التحية ليست بأجنبية على الإطلاق انتهى . وكأنه أراد بعدم كون التحية أجنبية على الإطلاق كونها دعاء معنى ، وكلامه نص في أن الترتيب الوقوعي مخالف للترتيب الذكري ، ولا يخفى أن توجيه توسيذ ذكر التحية بما ذكره مما لا يكاد يرتضيه منصف على أنه غفل هو وسائر من وقفنا على كلامه من المفسرين عن توجيه اسمية الجمل فافهم ، والله تعالى أعلم .
ومن باب الإشارة :{ دَعْوَاهُمْ } الاستعدادي { فِيهَا } أي في تلك الجنات { سبحانك اللهم } إشارة إلى تنزيهه تعالى والتنزيه في الأولى عن الشرك في الأفعال بالبراءة عن حولهم وقوتهم وفي الثانية عن الشرك في الصفات بالانسلاخ عن صفاتهم وفي الثالثة عن الشرك في الوجود بفنائهم { وَتَحِيَّتُهُمْ } أي تحية بعضهم لبعض أو تحية لله تعالى { فِيهَا سلام } أي إفاضة أنوار التزكية وإمداد التصفية أو إشراق أنوار التجليات وإمداد التجريد وإزالة الآفات { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس : 10 ] أي آخر ما يقتضيه استعدادهم قيامهم بالله تعالى في ظهور كمالاته وصفات جلاله وجماله عليهم وهو الحمد الحقيقي منه وله سبحانه