مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّـٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ} (50)

قوله تعالى { وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين }

اعلم أنه لما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه الملك فقال : ائتوني به ، وهذا يدل على فضيلة العلم ، فإنه سبحانه جعل علمه سببا لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سببا للخلاص من المحن الأخروية ، فعاد الشرابي إلى يوسف عليه السلام قال أجب الملك ، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني » ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال : { ارجع إلى ربك } ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم إلى الباب ؛ ولما ابتغيت العذر أنه كان حليما ذا أناة .

واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف إلى أن تفحص الملك عن حاله هو اللائق بالحزم والعقل ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه لو خرج في الحال فربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثرها ، فلما التمس من الملك أن يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها إلى الطعن فيه . الثاني : أن الإنسان الذي بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه الظاهر أنه يبادر بالخروج ، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل والصبر والثبات ، وذلك يصير سببا لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع التهم ، ولأن يحكم بأن كل ما قيل فيه كان كذبا وبهتانا . الثالث : أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة يدل أيضا على شدة طهارته إذ لو كان ملوثا بوجه ما ، لكان خائفا أن يذكر ما سبق . الرابع : أنه حين قال للشرابي : { اذكرني عند ربك } فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين ، وههنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزنا ، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة ، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله ، وكان هذا العمل جاريا مجرى التلافي لما صدر من التوسل إليه في قوله : { اذكرني عند ربك } ليظهر أيضا هذا المعنى لذلك الشرابي ، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معا .

أما قوله : { وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ ابن كثير والكسائي { فسله } بغير همز والباقون { ربك فاسأله } بالهمز ، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه { النسوة } بضم النون والباقون بكسر النون ، وهما لغتان .

المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف : أولها : أن معنى الآية : فسل الملك بأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براءتي عن تلك التهمة ، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري أمر الملك بعمل أو فعل وثانيها : أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل ، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة . وثالثها : أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك ، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله : { ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل ، ثم قال يوسف بعد ذلك : { إن ربى بكيدهن عليم } وفي المراد من قوله : { إن ربى } وجهان : الأول : أنه هو الله تعالى ، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور . والثاني : أن المراد الملك وجعله ربا لنفسه لكونه مربيا وله وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالما بكيدهن ومكرهن .

واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوها : أحدها : أن كل واحدة منهن ربما طمعت فيه ، فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح . وثانيها : لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها ، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز ، فأشار بقوله : { إن ربى بكيدهن عليم } إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة . وثالثها : أنه استخرج منهن وجوها من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّـٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ} (50)

{ وَقَالَ الْمَلكُ } بعد ما جاء السفير المعبر بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقطمير . { ائْتُوني به } لما رأى من علمه وفضله وإخباره عما لا يعلمه إلا اللطيف الخبير { فَلَمَّا جَاءَهُ } أي يوسف عليه السلام { الرَّسُولُ } وهو صاحبه الذي استفتاه ، وقال له : إن الملك يريد أن تخرج إليه . { قَالَ ارْجعْ إلَى رَبِّكَ } أي سيدك وهو الملك { فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَة اللاَّتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ } أي فتشه عن شأنهن وحالهن ، وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثاً للملك على الجد في التفتيش لتتبين براءته وتتضح نزاهته فإن السؤال عن شيء ما يهيج الإنسان ويحركه للبحث لأنه يأنف من الجهل ، ولو قال : سله أن يفتش لكان تهييجاً له عن الفحص عن ذلك ، وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه ولم يلتفت إليه . وإنما لم يتعرض عليه السلام لامرأة العزيز مع أنها الأصل الأصيل لما لاقاه تأدباً وتكرماً ، ولذا حملها ذلك على الاعتراف بنزاهته وبراءة ساحته ، وقيل : احترازاً عن مكرها حيث اعتقدها باقية في ضلالها القديم ، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم ، ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرح بمراودتهن له واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله : { إنَّ رَبِّي بكَيْدهنَّ عَلِيمٌ } مجاملة معهن واحترازاً عن سوء مقالتهن وانتصابهن عند رفعهن إلى الملك للخصومة عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد . وفي «الكشاف » أنه عليه السلام أراد بهذا أنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله تعالى ، أو استشهد بعلم الله تعالى على أنهن كدنه وأنه برئ مما قرف به ، أو أراد الوعيد لهن أي عليم بكيدهن فمجازيهن عليه انتهى . وكان الحصر على الأول من قربه من زيد يعلم وصلوحه لإفادته عنده( {[392]} ) أو من اقتضاء المقام لأنه إذا / حمله على السؤال ثم أضاف علمه إلى الله تعالى دل به على عظمته ، وأن الكنه غير مأمول الوصول لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله ، وهذا هو الوجه ، وفيه زيادة تشويق وبعث إلى تعرف الأمر ، فالجملة عليه تتميم لقوله : { فاسأله } الخ والكيد اسم لما كدنه به ، وعلى الوجه الثاني تكون تذييلاً كأنه( {[393]} ) قيل : احمله على التعرف يتبين له براءة ساحتي فإن الله سبحانه يعلم أن ذلك كان كيداً منهن وإذا كان كيداً يكون لا محالة بريئاً ، والكيد هو الحدث ؛ وعلى الثالث تحتملهما ؛ والمعنى بعث الملك على الغضب له والانتقام منهن ، وإلا لم يتلاءم الكلام ولا يطابق كرم يوسف عليه السلام الذي عجب منه نبينا عليه الصلاة والسلام ؛ فقد أخرج غير واحد عن ابن عباس وابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :

«لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال : { ارجع إلى ربك } ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر أن كان حليماً ذا أناة » ودعاؤه له صلى الله عليه وسلم قيل : إشارة إلى ترك العزيمة بالرخصة وهي تقديم حق الله تعالى بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه ، وجعله العلامة الطيبي من قبيل قولك لمن تعظمه : رضي الله تعالى عنك ما جوابك عن كلامي . وقيل : يمكن أن يقال : إن في براءته النفس من حق الله تعالى ما فيها فإنها إذا تحققت عندهم وقع ما تلاها موقع القبول . وقد ذكر أن الاجتهاد( {[394]} ) في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم » وأخرج مسلم من رواية أنس «أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان مع إحدى نسائه فمرّ به رجل فدعاه ، وقال : هذه زوجتي ، فقال : يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم «وكأنه لهذا كان الزمخشري وكان ساقط الرجل قد أثبت على القضاة أن رجله لم تقطع في جناية ولا فساد بل سقطت من ثلج أصابها في بعض الأسفار ، وكان يظهر مكتوب القضاة في كل بلد دخله خوفاً من تهمة السوء( {[395]} ) ، فلعله عليه السلام خشي أن يخرج ساكتاً عن أمر ذنبه غير متضحة براءة ساحته عما سجن فيه وقرف به من أن يتسلق بهالحاشدون إلى تقبيح أمره ويجعلوه سلماً إلى حط قدره ونظر الناس إليه بعين الاحتقار فلا يعلق كلامه في قلوبهم ولا يترتب على دعوته قبولهم ، وفي ذلك من تعري التبليغ عن الثمرة ما فيه ، وما ذكره صلى الله عليه وسلم » ولو كنت مكانه «الخ كان تواضعاً منه عليه الصلاة والسلام لا أنه لو كان مكانه بادر وعجل وإلا فحلمه صلى الله عليه وسلم وتحمله واهتمامه بما يترتب عليه قبول الخلق أوامر الحق سبحانه وتعالى أمر معلوم لدى الخواص والعموم . وزعم ابن عطية أنه يحتمل أن يكون عليه السلام أراد بالرب العزيز كما قيل في قوله : { إنه ربي أحسن مثواي } [ يوسف : 23 ] ففي ذلك استشهاد به وتقريع له وليس بشيء ، ومثله ما قيل : إن ضمير ( كيدهن ) ليس عائداً على النسوة المذكورات بل عائد على الجنس فافهم . وقرأ أبو حيوة وأبو بكر عن عاصم في رواية { النسوة } بضم النون ، وقرأت فرقة اللائي - بالياء وهو كاللاء / جمع التي .


[392]:- أي صاحب الكشاف اهـ منه.
[393]:- وقال الطيبي: كأنه قال: والله تعالى شاهدي وشهادة الله تعالى تلك الأمارات الدالة على براءته اهـ ولا يحتاج إلى هذا ففي الكيد غنية على أنه حسن اهـ منه.
[394]:- وزعم بعضهم أن الآية تدل على ذلك وفيه نظر اهـ منه.
[395]:- ويناسب هذا ما تقدم عن أبي حيان في (اذكرني عند ربك) فتذكر فما في العهد من قدم اهـ منه.