مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ} (10)

قوله تعالى :{ قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين }

اعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل { وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب } قالت رسلهم : وهل تشكون في الله ، وفي كونه فاطر السموات والأرض وفاطرا لأنفسنا وأرواحنا وأرزاقنا وجميع مصالحنا وإنا لا ندعوكم إلا إلى عبادة هذا الإله المنعم ، ولا نمنعكم إلا عن عبادة غيره وهذه المعاني يشهد صريح العقل بصحتها ، فكيف قلتم : وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ؟ وهذا النظم في غاية الحسن . وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { أفي الله شك } استفهام على سبيل الإنكار ، فلما ذكر هذا المعنى أردفه بالدلالة الدالة على وجود الصانع المختار ، وهو قوله : { فاطر السموات والأرض } وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن وجود السموات والأرض كيف يدل على احتياجه إلى الصانع المختار الحكيم مرارا وأطوارا فلا نعيدها ههنا .

المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » : أدخلت همزة الإنكار على الظرف ، لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في أن وجود الله تعالى لا يحتمل الشك ، وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار ، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك وجوه :

الوجه الأول : قال بعض العقلاء : إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار وعلى حصول التكليف وعلى وجوب دار الجزاء وعلى وجود النبي ، أما دلالتها على وجود الصانع ، فلأن الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول : من الذي ضربني وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها ، ولأجل مختار أدخلها في الوجود فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار ذلك الحادث مع قلته وحقارته إلى الفاعل فبأن تشهد بافتقار جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب التكليف ، فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول : لم ضربني ذلك الضارب ؟ وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي ومندرجة تحت التكليف ، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي فعل شاء واشتهى ، وأما دلالتها على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة وما دام يمكنه طلب ذلك الجزاء فإنه لا يتركه فلما شهدت الفطرة الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع الأعمال كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي ولا معنى للنبي إلا الإنسان الذي يقدر هذه الأمور ويبين لهم هذه الأحكام ، فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأمور الأربعة .

الوجه الثاني : في التنبيه على أن الإقرار بوجود الصانع بديهي هو أن الفطرة شاهد بأن حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة ، مبنية على التركيبات اللطيفة الموافقة للحكم والمصلحة يستحيل إلا عند وجود نقاش عالم ، وبان حكيم ومعلوم أن آثار الحكمة في العالم العلوي والسفلي أكثر من آثار الحكمة في تلك الدار المختصرة فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار النقش إلى النقاش ، والبناء إلى الباني ، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم كان أولى .

الوجه الثالث : أن الإنسان إذا وقع في محنة شديدة وبلية قوية لا يبقى في ظنه رجاء المعاونة من أحد ، فكأنه بأصل خلقته ومقتضى جبلته يتضرع إلى من يخلصه منها ويخرجه عن علائقها وحبائلها وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالافتقار إلى الصانع المدبر .

الوجه الرابع : أن الموجود إما أن يكون غنيا عن المؤثر أو لا يكون ، فإن كان غنيا عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته ، فإنه لا معنى للواجب لذاته إلا الموجود الذي لا حاجة به إلى غيره . وإن لم يكن غنيا عن المؤثر فهو محتاج ، والمحتاج لا بد له من المحتاج إليه وذلك هو الصانع المختار .

الوجه الخامس : أن الإعتراف بوجود الإله المختار المكلف ، وبوجود المعاد أحوط ، فوجب المصير إليه ، فهذه مراتب أربعة : أولها : أن الإقرار بوجود الإله أحوط ، لأنه لو لم يكن موجودا فلا ضرر في الإقرار بوجوده وإن كان موجودا ففي إنكاره أعظم المضار . وثانيها : الإقرار بكونه فاعلا مختارا لأنه لو كان موجبا فلا ضرر في الإقرار بكونه مختارا . أما لو كان مختارا ففي إنكار كونه مختارا أعظم المضار . وثالثها : الإقرار بأنه كلف عباده ، لأنه لو لم يكلف أحدا من عبيده شيئا فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد ، أما إنه لو كلف ففي إنكار تلك التكاليف أعظم المضار . ورابعها : الإقرار بوجود المعاد فإنه إن كان الحق أنه لا معاد فلا ضرر في الإقرار بوجوده ، لأنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية وهي حقيرة ومنقوصة ، وإن كان الحق هو وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط فوجب المصير إليه ، لأن بديهة العقل حاكمة بأنه يجب دفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان .

المسألة الثالثة : لما أقام الدلالة على وجود الإله بدليل كونه فاطر السموات والأرض ، وصفه بكمال الرحمة والكرم والجود وبين ذلك من وجهين ، الأول : قوله : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } قال صاحب «الكشاف » : لو قال قائل ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم ، ثم أجاب فقال : ما جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين ، كقوله : { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم } { يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم } وقال في خطاب المؤمنين : { هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } إلى أن قال : { يغفر لكم ذنوبكم } والاستقراء يدل على صحة ما ذكرناه ، ثم قال : وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ، ولئلا يسوي بين الفريقين في المعاد ، وقيل : إنه أراد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم . هذا الرجل ، وقال الواحدي في «البسيط » ، قال أبو عبيدة ( من ) زائدة ، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب ، وإذا قلنا إنها ليست زائدة فههنا وجهان : أحدهما : أنه ذكر البعض ههنا وأريد به الجميع توسعا . والثاني : أن ( من ) ههنا للبدل والمعنى لتكون المغفرة بدلا من الذنوب فدخلت من لتضمن المغفرة معنى البدل من السيئة ، وقال القاضي : ذكر الأصم أن كلمة ( من ) ههنا تفيد التبعيض ، والمعنى أنكم إذا تبتم فإنه يغفر لكم الذنوب التي هي من الكبائر ، فأما التي تكون من باب الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة ، قال القاضي : وقد أبعد في هذا التأويل ، لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر إلا بالتوبة وإنما تكون الصغيرة مغفورة من المؤمنين الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابهم ، فأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شيء من ذنوبه صغيرا ولا يكون شيء منها مغفورا . ثم قال وفيه وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإنابته فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه فهذا جملة أقوال الناس في هذه الكلمة .

المسألة الرابعة : أقول هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من غير توبة في حق أهل الإيمان والدليل عليه أنه قال : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } وعد بغفران بعض الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة ، فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقا من غير التوبة وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان فوجب أن يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عد الكفر من الذنوب .

فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال كلمة ( من ) صلة على ما قاله أبو عبيدة أو نقول : المراد من البعض ههنا هو الكل على ما قاله الواحدي . أو نقول : المراد منها إبدال السيئة أو نقول : المراد منه تمييز المؤمن عن الكافر في الخطاب على ما قاله صاحب «الكشاف » أو نقول : المراد منه تخصيص هذا الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم . أو نقول : المراد منه الذنوب التي يذكرها الكافر عند الدخول في الإيمان على ما قاله القاضي ، فنقول : هذه الوجوه بأسرها ضعيفة أما قوله : إنها صلة فمعناه الحكم على كلمة من كلام الله تعالى بأنها حشو ضائع فاسد ، والعاقل لا يجوز المصير إليه من غير ضرورة ، فأما قول الواحدي : المراد من كلمة ( من ) ههنا هو الكل فهو عين ما قاله أبو عبيدة لأن حاصله أن قوله : { يغفر لكم من ذنوبكم } هو أنه يغفر لكم ذنوبكم وهذا عين ما نقله عن أبي عبيدة ، وحكي عن سيبويه إنكاره ، وأما قوله : المراد منه إبدال السيئة بالحسنة فليس في اللغة أن كلمة من تفيد الإبدال ، وأما قول صاحب «الكشاف » : المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من باب الطامات ، لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب ، وإن لم يحصل كان هذا الجواب فاسدا ، وأما قول الأصم فقد سبق إبطاله ، وأما قول القاضي فجوابه : أن الكافر إذا أسلم صارت ذنوبه بأسرها مغفورة لقوله عليه السلام :

« التائب من الذنب كمن لا ذنب له » فثبت أن جميع ما ذكروه من التأويلات تعسف ساقط بل المراد ما ذكرنا أنه تعالى يغفر بعض ذنوبه من غير توبة وهو ما عدا الكفر ، وأما الكفر فهو أيضا من الذنوب وأنه تعالى لا يغفره إلا بالتوبة ، وإذا ثبت أنه تعالى يغفر كبائر كافر من غير توبة بشرط أن يأتي بالإيمان فبأن تحصل هذه الحالة للمؤمن كان أولى ، هذا ما خطر بالبال على سبيل الارتجال ، والله أعلم بحقيقة الحال .

النوع الثاني : مما وعد الله تعالى به في هذه الآية قوله : { ويؤخركم إلى أجل مسمى } وفيه وجهان : الأول : المعنى أنكم إن آمنتم أخر الله موتكم إلى أجل مسمى وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال . الثاني : قال ابن عباس : المعنى يمتعكم في الدنيا بالطيبات واللذات إلى الموت .

فإن قيل : أليس إنه تعالى قال : { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فكيف قال ههنا : { ويؤخركم إلى أجل مسمى } .

قلنا : قد تكلمنا في هذه المسألة في سورة الأنعام في قوله : { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } ، ثم حكى تعالى أن الرسل لما ذكروا هذه الأشياء لأولئك الكفار قالوا : { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين } .

واعلم أن هذا الكلام مشتمل على ثلاثة أنوع من الشبه :

فالشبهة الأولى : أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية ، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد ، وهو أن يكون الواحد منهم رسولا من عند الله مطلعا على الغيب مخالطا لزمرة الملائكة ، والباقون يكونون غافلين عن كل هذه الأحوال أيضا كانوا يقولون : إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة ، وجب أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة ، وفي الحاجة إلى الأكل والشرب والحدث والوقاع ، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا } .

والشبهة الثانية : التمسك بطريقة التقليد ، وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم وكبراءهم مطبقين متفقين على عبادة الأوثان . قالوا ويبعد أن يقال : إن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خواطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين ، وأن الرجل الواحد عرف فساده ووقف على بطلانه ، والعوام ربما زادوا في هذا الباب كلاما آخر ، وذلك أن الرجل العالم إذا بين ضعف كلام بعض المتقدمين قالوا إن كلامك إنما يظهر صحته لو كان المتقدمون حاضرين ، أما المناظرة مع الميت فسهلة ، فهذا كلام يذكره الحمقى والرعاع وأولئك الكفار أيضا ذكروه ، وهذه الشبهة هي المراد من قوله : { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا } .

والشبهة الثالثة : أن قالوا المعجز لا يدل على الصدق أصلا ، وإن كانوا سلموا على أن المعجز يدل على الصدق ، إلا أن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنها أمور معتادة ، وأنها ليست من باب المعجزات الخارجة عن قدرة البشر ، وإلى هذا النوع من الشبهة الإشارة بقوله : { فأتونا بسلطان مبين } فهذا تفسير هذه الآية بحسب الوسع ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ} (10)

{ قالت رُسُلُهُمْ } استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقام كأنه قيل : فإذا قالت لهم رسلهم حين قابلوهم بما قابلوهم به ؟ فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء : { أَفِى الله شَكٌّ } بتقديم الظرف وإدخال الهمزة عليه للإيذان بأن مدار الإنكار ليس نفس الشك بل وقوعه فيمن لا يكاد يتوهم فيه الشك أصلاً ، ولولا هذا القصد لجاز تقديم المبتدأ ، والقول بأنه ليس كذلك خطأ لأن وقوع النكرة بعد الاستفهام مسوغ للابتداء بها وهو مما لا شك فيه ، وكون ذلك المؤخر مبتدأ غير متعين بل الأرجح كونه فاعلاً بالظرف المعتمد على الاستفهام كما ستعلم إن شاء الله تعالى ، والكلام على تقدير مضاف على ما قيل أي أفي وحدانية الله تعالى شك ، بناء على أن المرسل إليهم لم يكونوا دهرية منكرين للصانع بل كانوا عبدة أصنام ، وقيل : يقدر في شأن الله ليعم الوجود والوحدة لأن فيهم دهرية ومشركين . وقيل : يقدر حسب المخاطبين وتقدير الشأن مطلقاً ذو شأن ، وفي عدم تطبيق الجواب على كلام الكفرة بأن يقولوا : أأنتم في شك مريب من الله تعالى مبالغة في تنزيه ساحة الجلال عن شائبة الشك وتسجيل عليهم بسخافة العقول أي أفي شأنه تعالى شأنه من وجوده ووحدته ووجوب الإيمان به وحده شك ما وهو أظهر من كل ظاهر وأجلى من كل جلى حتى تكونوا من قبله سبحانه في شك عظيم مريب ، وحيث كان مقصدهم الأقصى الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وكان إظهار البينات وسيلة إلى ذلك لم يتعرضوا للجواب عن قولهم : { إِنَّا كَفَرْنَا } [ إبراهيم : 9 ] إلى آخره واقتصروا على بيان ما هو الغاية القصوى ، وقد يقال : إنهم عليهم السلام قد اقتصروا على انكار ما ذكر لأنه يعلم منه إنكار وقوع الجزم بالكفر به سبحانه من باب أولى .

{ فَاطِرَ السماوات والارض } أي مبدعهما وما فيهما من المصنوعات على نظام أنيق شاهد بتحقق ما أنتم في شك منه .

وفي الآية كما قيل إشارة إلى دليل التمانع . وجر { فَاطِرَ } على أنه بدل من الاسم الجليل أو صفة له . وحيث كان { شَكٌّ } فاعلاً بالظرف وهو كالجزء من عامله لا يعد أجنبياً فليس هناك فصل بين التابع والمتبوع بأجنبي وبهذا رجحت الفاعلية على المبتدئية لأن المبتدأ ليس كذلك . نعم إلى الابتدائية ذهب أبو حيان وقال : إنه لا يضر الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ فيجوز أن تقول : في الدار زيد الحسنة وإن كان أصل التركيب في الدار الحسنة زيد .

وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { فَاطِرَ } نصباً على المدح . ثم إنه بعد أن أشير إلى الدليل الدال على تحقق ما هم في شك منه نبه على عظم كرمه ورحمته تعالى فقيل : { يَدْعُوكُمْ } أي إلى الإيمان بإرساله ايانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهم قولكم

{ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } [ إبراهيم : 9 ] { لِيَغْفِرَ لَكُمْ } بسببه ، فالمدعو إليه غير المغفرة . وتقدير الإيمان لقرينة ما سبق . ويحتمل أن يكون المدعو إليه المغفرة لا لأن اللام بمعنى إلى فإنه من ضيق العطن بل لأن معنى الاختصاص ومعنى الانتهاء كلاهما واقعان في حاق الموقع فكأنه قيل : يدعوكم إلى المغفرة لأجلها لا لغرض آخر . وحقيقته ان الأغراض غايات مقصودة تفيد معنى الانتهاء وزيادة قاله : في الكشف ، وهذا نظير قوله :

دعوت لما نابني مسورا . . . فلبي( {[483]} ) فلبى يدي مسور

{ مّن ذُنُوبِكُمْ } أي بعضها وهو ما عدا المظالم وحقوق العباد على ما قيل ، وهو مبني على أن الإسلام إنما يرفع ما هو من حقوق الله تعالى الخالصة له دون غيره ، والذي صححه المحدثون في شرح ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم : «إن الإسلام يهدم ما قبله » أنه يرفع ما قبله مطلقاً حتى المظالم وحقوق العباد ، وأيد ذلك بظاهر قوله تعالى في آية أخرى : { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } [ الأحزاب : 71 ] بدون من ، و { مِنْ } هنا ذهب أبو عبيدة . والأخفش إلى زيادة { مِنْ } فيما هي فيه ، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها في الموجب ولا إذا جرت المعرفة كما هنا فلا يتأتى التوفيق بذلك بين الآيتين ، وجعلها الزجاج للبيان ويحصل به التوفيق ، وقيل : هي للبدل أي ليغفر لكم بدل ذنوبكم ونسب للواحدي .

وجوز أيضاً أن تكون للتبعيض ويراد من البعض الجميع توسعاً . ورد الإمام الأول بأن { مِنْ } لا تأتي للبدل ، والثاني بأنه عين ما نقل عن أبي عبيدة . والأخفش وهو منكر عند سيبويه والجمهور وفيه نظر ظاهر ، ولو قال : إن استعمال البعض في الجميع مسلم وأما استعمال من التبعيضية في ذلك فغير مسلم لكان أولى . وفي البحر يصح التبعيض ويراد بالبعض ما كان قبل الإسلام وذلك لا ينافي الحديث وتكون الآية وعدا بغفران ما تقدم لا بغفران ما يستأنف ويكون ذاك مسكوتاً عنه باقياً تحت المشيئة في الآية والحديث ، ونقل عن الأصم القول بالتبعيض أيضاً على معنى إنكم إذا آمنتم يغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر واما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في نفسها مغفورة ، واستطيب ذلك الطيبي قال : والذي يقتضيه المقام هذا لأن الدعوة عامة لقوله سبحانه : { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى الله شَكٌّ فَاطِرِ * السموات والارض *يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } كأنه قيل : أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك والمعاصي إن الله تعالى يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أخباث أنجاس الذنوب فلا وجه للتخصيص أي بحقوق الله تعالى الخالصة له ، وقد ورد

{ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [ الأنفال : 38 ] و { مَا } للعموم سيما في الشرط ، ومقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض ، والكفار إذا أسلموا إنما اهتمامهم في الشرك ونحوه لا في الصغائر ، ويؤيده ما روى أن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله تعالى لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وعبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرم الله تعالى فنزلت { قُلْ يا عِبَادِى * الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر : 53 ] الآية ، وقصة وحشي مشهورة ، وجرح ذلك القاضي فقال : إن الأصم قد أبعد في هذا التأويل لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر وإنما تكون الصغيرة مغفورة من الموحدين من حيث إنه يزيد ثوابهم على عقابها وأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا يكون شيء منها مغفوراً ، ثم قال : وفي ذلك وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسي بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور إلا ما ذكره وتاب منه اه . ولو سمع الأصم هذا التوجيه لأحذ ثأره من القاضي فإنه لعمري توجيه غير وجيه ؛ ولو أن أحداً سخم وجه القاضي لسخمت وجهه ، وقال الزمخشري : إن الاستقراء في الكافرين أن يأتي { مّن ذُنُوبِكُمْ } وفي المؤمنين { ذُنُوبَكُمْ } وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوى في الميعاد بين الفريقين .

وحاصلة على ما في الكشف أن ليس مغفرة بعض الذنوب للدلالة على أن بعضاً آخر لا يغفر فإنه من قبيل دلالة مفهوم اللقب ولا اعتداد به ، كيف وللتخصيص فائدة أخرى هي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل واإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان . وفيه أيضاً أن هذا معنى حسن لا تكلف فيه .

واعترض ابن الكمال بأن حديث التفرقة إنما يتم لو لم يجيء خطاب على العموم وقد جاء كذلك في سورة الأنفال ( 38 ) / في قوله سبحانه : { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } وأجيب بأن هذا غير وارد إذ المراد التفرقة فيما ذكر فيه صيغة ويغفر ذنوبكم لا مطلق ما كان بمعناه ولذا أسند الأمر إلى الاستقراء ، ومثل الزمخشري لا يخفى عليه ما أورد ولا يلزم رعاية هذه النكتة في جميع المواد ، وذكر البيضاوي في وجه التفرقة بين الخطابين ما حاصله لعل المعنى ذلك أنها لما ترتبت المغفرة في خطاب الكفرة على الإيمان لزمن فيه { مِنْ } التبعيضية لإخراج المظالم لأنها غير مغفورة ، وأما في خطاب المؤمنين فلما ترتب على الطاعة واجتناب المعاصي التي من جملتها المظالم لم يحتج إلى { مِنْ } لإخراجها لأنها خرجت بما رتبت عليه ، وهو مبني على خلاف ما صححه المحدثون ، وينافيه ما ذكره في تفسير { مّن ذُنُوبِكُمْ } في سورة نوح عليه السلام ( 4 ) ؛ ومع ذا أورد عليه قوله تعالى :

{ قَالَ ياقوم إِنّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعبدوا الله واتقوه وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } [ نوح : 2 4 ] حيث ذكرت { مِنْ } مع ترتيب المغفرة على الطاعة واجتناب المعاصي الذي أفاده { اتقوا } وقوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة } [ الصف : 10 ] الآية لعدم ذكر { مِنْ } مع ترتبها على الإيمان ، والجواب بأنه لا ضمير إذ يكفي ترتيب ذلك على الإيمان في بعض المواد فيحمل مثله على أن القصد إلى ترتيبه عليه وحده بقرينة ذلك البعض وما ذكر معه يحمل على الأمر به بعد الإيمان أدنى من أن يقال فيه ليس بشيء ، وبالجملة توجيه الزمخشري أوجه مما ذكره البيضاوي فتأمل وتذكر .

{ وَيُؤَخّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى وقت سماه الله تعالى وجعله منتهى أعماركم على تقدير الإيمان ولا يعاجلكم بعذاب الاستئصال ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يمتعكم في الدنا باللذات والطيبات إلى الموت ، ولا يلزم مما ذكر القول بتعدد الأجل كما يزعمه المعتزلة ، وقد مر تحقيق ذلك { قَالُواْ } استئناف كما سبق آنفاً { إِنْ أَنتُمْ } ما أنتم { إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } من غير فضل يؤهلكم لما تدعون من الرسالة . والزمخشري تهالك في مذهبه حتى اعتقد أن الكفار كانوا يعتقدون تفضيل الملك { تُرِيدُونَ } صفة ثانية لبشر حملاً على المعنى كقوله تعالى : { أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } أو كلام مستأنف أي تريدون بما أنتم عليه من الدعوة والإرشاد { أَن تَصُدُّونَا } [ التغابن : 6 ] بما تدعونا إليه من التوحيد وتخصيص العبادة بالله تعالى { عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } عما استمر على عبادته آباؤنا من غير شيء يوجبه . وقرأ طلحة { أَن تَصُدُّونَا } بتشديد النون ، وخرج على جعل أن مخففة من الثقيلة وتقدير فاصل بينها وبينالفعل أي أنه قد تصدونا ، وقد جاء مثل ذلك في قوله :

علموا أن يؤملون فجادوا . . . قبل أن يسألوا بأعظم سؤل

والأولى أن يخرج على أن { ءانٍ } هي الثنائية التي تنصب المضارع لكنها لم تعمل كما قيل : في قوله تعالى : { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } [ البقرة : 233 ] في قراءة الرفع حملا لها على أختها { مَا } المصدرية كما عملت { مَا } حملا عليها فيما ذكره بعضهم في قوله :

أن تقرآن على أسماء ويحكما . . . مني السلام وأن لا تشعرا أحداً

{ فَأْتُونَا بسلطان مُّبِينٍ } أي إن لم يكن الأمر كما قلنا بل كنتم رسلاً من قبله تعالى كما تدعون فأتونا بما يدل على صحة ما تدعونه من الرسالة حتى نترك ما لم نزل نعبده أبا عن جد ، أو على فضلكم واستحقاقكم لتلك المرتبة .

قال ابن عطية : إنهم استعبدوا إرسال البشر فأرادوا حجة عليه ، وقيل : بل إنهم اعتقدوا محاليته وذهبوا مذهب البراهمة وطلبوا الحجة على جهة التعجيز أي بعثكم محال وإلا فأتوا بسلطان مبين أي إنكم لا تفعلون ذلك أبداً . وهو خلاف الظاهر ، وهطا الطلب كان بعد إتيانهم عليهم السلام لهم من الآيات الظاهرة والبينات الباهرة ماتخر له الجبال الصم أقدمهم عليه العناد والمكابرة


[483]:- والمعنى دعوته فأجابني فكان مجابا دعا له بأن يكون مجابا كما كان مجيبا، وكتب ابن حبيب الكاتب لبى الأول بالألف للتمييز اهـ منه.