مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (110)

قوله تعالى : { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم يأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون } .

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله من بعد إيمانه وحال من أكره على الكفر ، فذكر بسبب الخوف كلمة الكفر وحال من لم يذكرها ، ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن فقال : { إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } .

المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : { فتنوا } بفتح الفاء على إسناد الفعل إلى الفاعل ، والباقون بضم الفاء على فعل ما لم يسم فاعله . أما وجه القراءة الأولى فأمور : الأول : أن يكون المراد أن أكابر المشركين وهم الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم . والثاني : أن فتن وأفتن بمعنى واحد ، كما يقال : مان وأمان بمعنى واحد ، والثالث : أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم ، وإنما جعل ذلك فتنة ، لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت في ذلك الوقت . وأما وجه القراءة بفعل ما لم يسم فاعله فظاهر ، لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان ، فبين تعالى أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله تعالى يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر .

المسألة الثالثة : قوله : { من بعد ما فتنوا } يحتمل أن يكون المراد بالفتنة هو أنهم عذبوا ، ويحتمل أن يكون المراد هو أنهم خوفوا بالتعذيب ، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك المسلمين ارتدوا . قال الحسن : هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة ، فعرضت لهم فتنة فارتدوا . وشكوا في الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إنهم أسلموا وهاجروا فنزلت هذه الآية فيهم ، وقيل : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد ، فلما كان يوم الفتح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنه أسلم وحسن إسلامه ، وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا هذه السورة مدنية أو جعلنا هذه الآية منها مدنية ، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك الضعفاء المعذبين تكلموا بكلمة الكفر على سبيل التقية ، فقوله : { من بعد ما فتنوا } يحتمل كل واحد من هذه الوجوه الأربعة ، وليس في اللفظ ما يدل على التعيين .

إذا عرفت هذا فنقول : إن كانت هذه الآية نازلة فيمن أظهر الكفر ، فالمراد أن ذلك مما لا إثم فيه ، وأن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكره ، وإن كانت واردة فيمن ارتد فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يزيل ذلك العقاب ويحصل له الغفران والرحمة ، فالهاء في قوله : { من بعدها } تعود إلى الأعمال المذكورة فيما قبل ، وهي الهجرة والجهاد والصبر .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (110)

{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا } إلى دار الإسلام وهم عمار . وأضرابه أي لهم بالولاية والنصر لا عليهم كما يقتضيه ظاهر أعمالهم السابقة فالجار والمجرور في موضع الخبر لإن ، وجوز أن يكون خبرها محذوفاً لدلالة خبر إن الثانية عليه ، والجار والمجرور متعلق بذلك المحذوف ، وقال أبو البقاء : الخبر هو الآتي وإن الثانية واسمها تكرير للتأكيد ولا تطلب خبراً من حيث الإعراب ، والجار والمجرور متعلق بأحد المرفوعين على الأعمال ، وقيل : بمحذوف على جهة البيان كأنه قيل : أعني للذين أي الغفران وليس بشيء ، وقيل : لا خبر لأن هذه في اللفظ لأن خبر الثانية أغنى عنه وليس بجيد كما لا يخفى و { ثُمَّ } للدلالة على تباعد رتبة حالهم هذه عن رتبة حالهم التي يفيدها الاستثناء من مجرد الخروج عن حكم الغضب والعذاب لا عن رتبة حال الكفرة { مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } أي عذبوا على الارتداد ، وأصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ثم تجوز به عن البلاء وتعذيب الإنسان . وقرأ ابن عامر { فَتَنُواْ } مبنياً للفاعل ، وهو ضمير المشركين عند غير واحد أي عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبراً حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا أو وقعوا في الفتينة فإن فتن جاء متعدياً ولازماً وتستعمل الفتنة فيما يحصل عنه العذاب .

وقال أبو حيان : الظاهر أن الضمير عائد على { الذين } والمعنى فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول كما فعل عمار أو كانوا صابرين على الإسلام وعذبوا بسبب ذلك صاروا كأنهم عذبوا أنفسهم { فُتِنُواْ ثُمَّ جاهدوا } الكفار { وَصَبَرُواْ } على مشاق الجهاد أو على ما أصابهم من المشاق مطلقاً { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي المذكورات من الفتنة والهجرة والجهاد والصبر ، وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على الموصول من علية الصلة .

وجوز أن يكون الضمير للفتنة المفهومة من الفعل السابق ويكون ما ذكر بياناً لعدم إخلال ذلك بالحكم ، وقال ابن عطية : يجوز أن يكون للتوبة والكلام يعطيها وإن لم يجر لها ذكر صريح { لَغَفُورٌ } لما فعلوا من قبل { رَّحِيمٌ } ينعم عليهم مجازاة لما صنعوا من بعد ، وفي التعرض لعنوان الربوبية في الموضعين إيماءً إلى علة الحكم وما في إضافة الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام مع ظهور الأثر في الطائفة المذكورة إظهار لكمال اللطف به صلى الله عليه وسلم بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة بواسطته عليه الصلاة والسلام ولكونهم أتباعاً له .

هذا وكون الآية في عمار واضرابه رضي الله تعالى عنهم مما ذكره غير واحد ، وصرح ابن إسحاق بأنها نزلت فيه وفي عياش بن أبي ربيعة .

والوليد بن أبي ربيعة . والوليد بن الوليد ، وتعقبه ابن عطية بأن ذكر عمار في ذلك غير قويم فإنه أرفع طبقة هؤلاء ، وهؤلاء ممن شرح بالكفر صدراً فتح الله تعالى لهم باب التوبة في آخر الآية ، وذكر أن الآية مدنية وأنه لا يعلم في ذلك خلافاً ، ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت فكتب بها المسلمون إلى من كان أسلم بمكة إن الله تعالى قد جعل لكم مخرجاً فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل ، وأخرج ذلك ابن مردويه ، وفي رواية أنهم خرجوا واتبعوا وقاتلوا فنزلت ، وأخرج هذا ابن المنذر . وغيره عن قتادة ، فالمراد بالجهاد قتالهم لمتبعيهم ، وأخرج ابن جرير عن الحسن . وعكرمة أنها نزلت في عبد الله ابن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتل يوم فتح مكة فاستجار له عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد نزلت فيه وفي أشباهه كما صرح به في بعض الروايات ، وفسروا { فَتَنُواْ } على هذا بفتنهم الشيطان وأزلهم حتى ارتدوا باختيارهم ، وما ذكره ابن عطية فيمن ذكر مع عمار غير مسلم ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن عياشاً رضي الله تعالى عنه كان أخاً أبي جهل لأمه وكان يضربه سوطاً وراحلته سوطاً ليرتد عن الإسلام . وفي التفسير الخازني أن عياشاً وكان أخاً أبي جهل من الرضاعة ، وقيل : لأمه . وأبا جندل بن سهل بن عمرو . وسلمة بن هشام . والوليد بن المغيرة . وعبد الله بن سلمة الثقفي فتنهم المشركون وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم ثم إنهم بعد ذلك هاجروا وجاهدوا والآية نزلت فيهم ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جاهدوا وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا * لَغفور رَّحِيمٌ } [ النحل : 110 ] قال سهل هو اشارة إلى الذين رجعوا القهقري في طريق سلوكهم ثم عادوا أي إن ربك للذين هجروا قرناء السوء من بعد أن ظهر لهم منهم الفتنة في صحبتهم ثم جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير ثم صبروا معهم على ذلك ولم يرجعوا إلى ما كانوا عليه في الفتنة لساتر عليهم ما صدر منهم منعهم منعهم عليهم بصنوف الانعام ، وقيل : إن ربك للذين هاجروا أي تباعدوا عن موطن النفس بترك المألوفات والمشتهيات من بعد ما فتنوا بها بحكم النشأة البشرية ثم جاهدوا في الله تعالى بالرياضات وسلوك طريقه سبحانه بالترقي في المقامات والتجريد عن التعلقات وصبروا عما تحب النفس وعلى ما تكرهه بالثبات في السير إن ربك لغفور يستر غواشي الصفات النفسانية رحيم بإفاضة الكمال والصفات القدسية