مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا} (7)

قوله تعالى :{ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا . وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال القاضي : وجه النظم كأنه تعالى يقول : يا محمد إني خلقت الأرض وزينتها وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح والمقصود من خلقها بما فيها من المنافع ابتلاء الخلق بهذه التكاليف ثم إنهم يكفرون ويتمردون مع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم . فأنت أيضا يا محمد ينبغي أن لا تنتهي في الحزن بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق .

المسألة الثانية : اختلفوا في تفسير هذه الزينة فقال بعضهم النبات والشجر وضم بعضهم إليه الذهب والفضة والمعادن ، وضم بعضهم إلى سائر الحيوانات وقال بعضهم بل المراد الناس فهم زينة الأرض . وبالجملة فليس بالأرض إلا المواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان ، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان . وقال القاضي : الأولى أنه لا يدخل في هذه الزينة المكلف لأنه تعالى قال : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم } فمن يبلوه يجب أن لا يدخل في ذلك فأما سائر النبات والحيوان فإنهم يدخلون فيه كدخول سائر ما ينتفع به ، وقوله : { زينة لها } أي للأرض ولا يمتنع أن يكون ما يحسن به الأرض زينة للأرض كما جعل الله السماء مزينة بزينة الكواكب . أما قوله : { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : ذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا عند دخولها في الوجود ، فعلى هذا الابتلاء والامتحان على الله جائز ، واحتج عليه بأنه تعالى لو كان عالما بالجزئيات قبل وقوعها لكان كل ما علم وقوعه واجب الوقوع وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوع وإلا لزم انقلاب علمه جهلا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال ولو كان ذلك واجبا فالذي علم وقوعه يجب كونه فاعلا له ولا قدرة له على الترك والذي علم عدمه يكون ممتنع الوقوع ولا قدرة له على الفعل وعلى هذا يلزم أن لا يكون الله قادرا على شيء أصلا بل يكون موجبا بالذات وأيضا فيلزم أن لا يكون للعبد قدرة لا على الفعل ولا على الترك لأن ما علم الله وقوعه امتنع من العبد تركه وما علم الله عدمه امتنع منه فعله ، فالقول بكونه تعالى عالما بالأشياء قبل وقوعها يقدح في الربوبية وفي العبودية وذلك باطل فثبت أنه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها وعلى هذا التقدير فالابتلاء والامتحان والاختبار جائز عليه وعند هذا قال : يجري قوله تعالى : { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } على ظاهره . وأما جمهور علماء الإسلام فقد استبعدوا هذا القول وقالوا : إنه تعالى من الأزل إلى الأبد عالم بجميع الجزئيات فالابتلاء والامتحان محالان عليه وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان ذلك على سبيل الابتلاء والامتحان وقد ذكرنا هذه المسألة مرارا كثيرة .

المسألة الثانية : قال القاضي : معنى قوله : { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } هو أنه يبلوهم ليبصرهم أيهم أطوع لله وأشد استمرارا على خدمته لأن من هذا حاله هو الذي يفوز بالجنة فبين تعالى أنه كلف لأجل ذلك لا لأجل أن يعصى ، فدل ذلك على بطلان قول من يقول : خلق بعضهم للنار .

المسألة الثالثة : اللام في قوله : { لنبلوهم } تدل ظاهرا على أن أفعال الله معللة بالأغراض عند المعتزلة ، وأصحابنا قالوا : هذا محال لأن التعليل بالغرض إنما يصح في حق من لا يمكنه تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة ، وهذا يقتضي العجز وهو على الله محال .

المسألة الرابعة : قال الزجاج : { أيهم } رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام ، والمعنى لنختبر ونمتحن هذا أحسن عملا أم ذاك ،

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا} (7)

{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض } الظاهر عموم ما جميع ما لا يعقل أي سواء كان حيواناً أو نباتاً أو معدنا أي جعلنا جميع ما عليها من غير ذوي العقول { زِينَةً لَّهَا } تتزين به وتتحلى وهو شامل لزينة أهلها أيضاً وزينة كل شيء بحسبه بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها ، وقيل لا يدخل في ذلك ما فيه إيذاء من حيوان ونبات ، ومن قال بالعموم قال : لا شيء مما على الأرض إلا وفيه جهة انتفاع ولا أقل من الاستدلال به على الصانع ووحدته ، وخص بعضهم ما بالأشجار والأنهار ، وآخر بالنبات لما فيه من الأزهار المختلفة الألوان والمنافع ، وآخر بالحيوان المختلف الأشكال والمنافع والأفعال ، وآخر بالذهب والفضة والرصاص والنحاس والياقوت والزبرجد واللؤلؤ والمرجان والألماس وما يجري مجرى ذلك من نفائس الأحجار .

وقالت فرقة : أريد بها الخضرة والمياه والنعم والملابس والثمار ، ولعمري أنه تخصيص لا يقبله الخواص على العموم ؛ وقيل أن { مَا } هنا لمن يعقل والمراد بذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير . والحسن وجاء في رواية عن ابن عباس الرجال ، وعلى ما أخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن عباس العلماء وعلى ما روي عكرمة الخلفاء والعلماء والأمراء ، وأنت تعلم أن جعل ما لمن يعقل مع إرادة ما ذكر بعيد جداً ، ولعل أولئك الأجلة أرادوا من ما العقلاء وغيرهم تغليباً للأكثر على غيره وما على الأرض بهذا المعنى ليس إلا بعض العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وأشرف ذلك المواليد وأشرفها نوع الإنسان وهو متفاوت الشرف بحسب الأصناف فيمكن أن يكون ما ذكروه من باب الاقتصار على بعض أصناف هذا الأشرف لداع لذلك اصناف وقد يقال : المراد بما عموم ما لا يعقل ومن يعقل فيدخل من توجه إليه التكليف وغيره ولا ضير في ذلك فإن للمكلف جهتين جهة يدخل بها تحت الزينة وجهة يدخل بها تحت الابتلاء المشار إليه بقوله تعالى : { لِنَبْلُوَهُمْ } وقد نص سبحانه على بعض المكلفين بأنهم زينة في قوله تعالى : { المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا } [ الكهف : 46 ] ومن هنا يعلم ما في قول القاضي الأولى أن لا يدخل المكلف لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها لغرض الابتلاء فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة ، ونصب { زِينَةُ } على أنه مفعول ثان للجعل إن حمل على معنى التصيير أو على أنه حال أو مفعول له كما قال أبو البقاء . وأبو حيان إن حمل على معنى الإبداع ، واللام الأولى إما متعلقة به أو متعلقة بمحذوف وقع صفة له أي زينة كائنة لها واللام الثانية متعلقة بجعلنا والكلام على هذا وجعل زينة مفعولاً له نحو قمت إجلالاً لك لتقابلني بمثل ذلك ، وضمير الجمع عائد على سكان الأرض من المكلفين المفهوم من السياق .

وجوز أن يعود على ما على تقدير أن تكون للعقلاء ، والابتلاء في الأصل الاختبار ، وجوز ذلك على الله سبحانه هشام بن الحكم بناء على جهله وزعمه أنه عز وجل لا يعلم الحوادث إلا بعد وجودها لئلا يلزم نفي قدرته تعالى على الفعل أو الترك ، ورده أهل السنة في محله وقالوا : إنه تعالى يعلم الكليات والجزئيات في الأزل ، ولولوا هذه الآية أن المراد ليعاملهم معاملة من يختبرهم { أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } فنجازي كلا بما يليق به وتقتضيه الحكمة وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها وصرفها على ما ينبغي والتأمل فيب شأنها وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن الشرع وأداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء ، ومراتب الحسن متفاوتة وكلما قوى الزهد مثلاً كان أحسن ، وسأل ابن عمر رضي الله تعالى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحسن عملا كما أخرج ذلك ابن جرير . وابن أبي حاتم . والحاكم في التاريخ فقال عليه الصلاة والسلام : «أحسنكم عقلا( {[583]} ) وأورع عن محارم الله تعالى وأسرعكم في طاعته سبحانه » . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال : أحسنهم عملا أشدهم للدنيا تركا ، وأخرج نحوه عن سفيان الثوري وذكر بعضهم أن الأحسن من زهد وقنع من الدنيا بزاد المسافر ووراءه حسن وهو من استكثر من حلالها وصرفه في وجوهه وقبيح من احتطب حلالها وحرامها وأنفقه في شهواته ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الأحسن أحسن { وَمَا ءاتاكم الرسول } [ الحشر : 7 ] وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل للفريقين باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضاً لا إلى الحسن والأحسن فقط للأشعار بأن الغاية الأصلية للجعل المذكور إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين ، وأي إما استفهامية فهي مرفوعة بالابتداء وأحسن خبرها ، والجملة في محل نصب بفعل الابتلاء ولما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته كالسؤال والنظر ومكان الاستفهام علق عن العمل ، وإما موصولة بمعنى الذي فهي مبنية على الضم محلها النصب على أنها بدل من ضمير النصب في { كذلك نَبْلُوهُم } وأحسن خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة لها والتقدير لنبلو الذي هو أحسن عملا . ويفهم من البحر أن مذهب سيبويه في أي إذا أضيفت وحذف صدر صلتها كما هنا جواز البناء لا وجوبه ، وتحقيق الكلام في مذهبه لا يخلو عن أشكال ، وأفعل التفضيل باق على الصحيح على حقيقته كما أشرنا إليه والمفضل عليه محذوف والتقدير كما قال أبو حيان لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ممن ليس أحسن عملاً .


[583]:- قوله في الحديث وأورع كذا بخط مؤلفه وما في الدر المنثور "أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله" الخ.