مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي} (94)

فأجاب هارون عليه السلام وقال : { يا ابن أم } قيل : إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه فيتركه ، وقيل : كان أخاه لأمه : { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } واعلم أنه ليس في القرآن دلالة على أنه فعل ذلك ، فإن النهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهى عنه كقوله : { ولا تطع الكافرين والمنافقين } وقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } والذي فيه أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه وهذا القدر لا يدل على الاستخفاف به بل قد يفعل ذلك لسائر الأغراض على ما بيناه ، ومن الناس من يقول إنه أخذ ذؤابتيه بيمينه ولحيته بيساره ثم قال : { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي } ولقائل أن يقول : إن قول موسى عليه السلام : ( ما منعك أن لا تتبعن أفعصيت أمري ) يدل على أنه أمره بشيء فكيف يحسن في جوابه أن يقال : إنما لم أمتثل قولك خوفا من أن تقول : { ولم ترقب قولي } فهل يجوز مثل هذا الكلام على العاقل . والجواب : لعل موسى عليه السلام إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى فساد في القوم فلما قال موسى : ( ما منعك أن لا تتبعن ) قال لأنك إنما أمرتني بإتباعك إذا لم يحصل الفساد فلو جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقبا لقولك . قال الإمام أبو القاسم الأنصاري : الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة كانوا أجانب عن الإيمان وما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا العذاب الشديد في الدنيا ولم يرجعوا عن الإيمان ، وأما قومه فإنهم رأوا انقلاب العصا ثعبانا والتقم كل ما جمعه السحرة ثم عاد عصا ورأوا اعتراف السحرة بأن ذلك ليس بسحر وأنه أمر إلهي ورأوا الآيات التسع مدة مديدة ثم رأوا انفراق البحر اثني عشر طريقا وأن الله تعالى أنجاهم من الغرق وأهلك أعداءهم مع كثرة عددهم ، ثم إن هؤلاء مع ما شاهدوا من هذه الآيات لما خرجوا من البحر ورأوا قوما يعبدون البقر قالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، ولما سمعوا صوتا من عجل عكفوا على عبادته ، وذلك يدل على أنه لا يحصل الغرض بالدلائل بل بالهداية ، قرأ حمزة والكسائي : ( يا ابن أم ) بكسر الميم والإضافة ودلت كسرة الميم على الياء والباقون بالفتح وتقديره يا ابن أماه ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي} (94)

{ قَالَ يَابن أم } خص الأم بالإضافة استعطافاً وترقيقاً لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين .

وقرأ حمزة . والكسائي { الارض أَمْ } بكسر الميم { لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } أي بشعر رأسي فإن الأخذ أنسب به ، وزعم بعضهم أن قوله : { بِلِحْيَتِي } على معنى بشعر لحيتي أيضاً لأن أصل وضع اللحية للعضو النابت عليه الشعر ولا يناسبه الأخذ كثير مناسبة ، وأنت تعلم أن المشهور استعمال اللحية في الشعر النابت على العضو المخصوص ، وظاهر الآيات والأخبار أنه عليه السلام أخذ بذلك . روي أنه أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله وكان عليه السلام حديداً متصلباً غضوباً لله تعالى وقد شاهد ما شاهد وغلب على ظنه تقصير في هارون عليه السلام يستحق به وإن لم يخرجه عن دائرة العصمة الثابتة للأنبياء عليهم السلام التأديب ففعل به ما فعل وباشر ذلك بنفسه ولا محذور فيه أصلاً ولا مخالفة للشرع فلا يرد ما توهمه الإمام فقال : لا يخلو الغضب من أن يزيل عقله أولاً والأول لا يعتقده مسلم والثاني لا يزيل السؤال بلزوم عدم العصمة وأجاب بما لا طائل تحته .

وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي { بِلِحْيَتِي } بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز { إِنّى خَشِيتُ } الخ استئناف لتعليل موجب النهي بتحقيق أنه غير عاص أمره ولا مقصر في المصلحة أي خشيت لو قاتلت بعضهم ببعض وتفانوا وتفرقوا أو خشيت لو لحقتك بمن آمن { أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرءيلَ } برأيك مع كونهم أبناء واحد كما ينبئ عن ذلك ذكرهم بهذا العنوان دون القوم ونحوه ، واستلزام المقاتلة التفريق ظاهر ، وكذا اللحوق بموسى عليه السلام مع من آمن وربما يجر ذلك إلى المقاتلة . وقيل : أراد عليه السلام بالتفريق على التفسير الأول ما يستتبعه القتال من التفريق الذي لا يرجى الاجتماع .

{ وَلَمْ تَرْقُبْ } أي ولم تراع { قَوْلِي } والجملة عطف على { فَرَّقْتَ } أي خشيت أن تقول مجموع الجملتين وتنسب إلى تفريق بني إسرائيل وعدم مراعاة قولك لي ووصيتك إياي ، وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من ضمير { فَرَّقْتَ } أي خشيت أن تقول فرقت بينهم غير مراع قولي أي خشيت أن تقول مجموع هذا الكلام ، وأراد بقول موسى المضاف إلى الياء قوله عليه السلام : { اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ } [ الأعراف : 142 ] الخ ، وحاصل اعتذاره عليه السلام إني رأيت الإصلاح في حفظ الدهماء والمداراة معهم وزجرهم على وجه لا يختل به أمر انتظامهم واجتماعهم ولا يكون سبباً للومك إياي إلى أن ترجع إليهم فتكون أنت المتدارك للأمر حسبما تراه لاسيما والقوم قد استضعفوني وقربوا من أن يقتلوني كما أفصح عليه السلام بهذا في آية أخرى .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ما يدل على أن المراد من القول المضاف قول هارون عليه السلام ، وجملة { لَمْ تَرْقُبْ } في موضع الحال من ضمير { تَقُولَ } أي خشيت أن تقول ذلك غير منتظر قولي وبيان حقيقة الحال فتأمل .

وقرى أبو جعفر { وَلَمْ تَرْقُبْ } بضم التاء وكسر القاف مضارع أرقب .