مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ} (19)

قوله تعالى :{ وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون }

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان . الأول : أنه تعالى لما نفى اللعب عن نفسه ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة ونفي الحاجة لا يصح إلا بالقدرة التامة ، لا جرم عقب تلك الآية بقوله : { وله من في السماوات والأرض } لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة . الثاني : وهو الأقرب أنه تعالى لما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد وعدم الانقياد بين في هذه الآية أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات ، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع نهاية الضعف أولى أن يطيعوه .

المسألة الثانية : قوله : { وله من في السماوات والأرض } معناه أن كل المكلفين في السماء والأرض فهم عبيده وهو الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف النعم ، فيجب على الكل طاعته والانقياد لحكمه .

المسألة الثالثة : دلالة قوله : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه قد تقدم بيانها في سورة البقرة .

المسألة الرابعة : قوله : { ومن عنده } المراد بهم الملائكة بإجماع الأمة ولأنه تعالى وصفهم بأنهم : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } وهذا لا يليق بالبشر وهذه العندية عندية الشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة ، فكأنه تعالى قال : الملائكة مع كمال شرفهم ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن طاعته فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته .

المسألة الخامسة : قال الزجاج : ولا يستحسرون ولا يتعبون ولا يعيون قال صاحب «الكشاف » : فإن قلت الاستحسار مبالغة في الحسور فكأن الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور قلت في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فيما يفعلون

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ} (19)

{ وَلَهُ مَن في السموات والأرض } استئناف مقرر لما قبله من خلقه تعالى لجميع مخلوقاته على حكمه بالغة ونظام كامل وأنه سبحانه يحق الحق ويزهق الباطل ، وقيل هو عديل لقوله تعالى : { وَلَكُمُ الويل } وهو كما ترى أي وله تعالى خاصة جميع المخلوقات خلقاً وملكاً وتدبيراً وتصرفاً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابة من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل ما استقلالاً واستتباعاً ، وكأنه أريد هنا إظهار مزيد العظمة فجىء بالسموات جميعاً على معنى له كل من هو في واحدة واحدة من السموات ولم يرد فيما مر سوى بيان اشتمال هذا السقف المشاهد والفراش الممهد وما استقر بينهما على الحكم التي لا تحصى فلذا جىء بالسماء بصيغة الإفراد دون الجمع .

وفي الاتقان حيث يراد بالعدد يؤتى بالسماء مجموعة وحيث يراد الجهة يؤتى بها مفردة { وَمَنْ عِندَهُ } وهم الملائكة مطلقاً عليهم السلام على ما روي عن قتادة وغيره ، والمراد بالعندية عندية الشرف لا عندية المكان وقد شبه قرب المكانة والمنزلة بقرب المكان والمسافة فعبر عن المشبه بلفظ دال على المشبه به فهناك استعارة مصرحة .

وقيل عبر عنهم بذلك تنزيلاً لهم لكرامتهم عليه عز وجل منزلة المقربين عند الملوك بطريق التمثيل ، والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } أي لا يتعظمون عنها ولا يعدون أنفسهم كبراء { وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } أي لا يكلون ولا يتعبون يقال حسر البعير واستحسر كل وتعب وحسرته أنا فهو متعد ولازم ويقال أيضاً أحسرته بالهمز .

والظاهر أن الاستحسار حيث لا طلب كما هنا أبلغ من الحسور فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، والمراد من الاتحاد بينهما الدال عليه كلامهم الاتحاد في أصل المعنى ، والتعبير به للتنبيه على أن عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ومع ذلك لا يستحسرون وليس لنفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة ، ونظير ذلك قوله تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] على أحد الأوجه المشهورة فيه .

وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون ذلك معطوفاً على من الأولى وأمر تفسيره بالملائكة عليهم السلام على حاله ، وذكر أن هذا العطف لكون المعطوف أخص من المعطوف عليه في نفس الأمر كالعطف في قوله تعالى : { تَنَزَّلُ الملائكة والروح } [ القدر : 4 ] في الدلالة على رفعة شأن المعطوف وتعظيمه حيث أفرد بالذكر مع اندراجه في عموم ما قبله ، وقيل إنما أفرد لأنه أعم من وجه فإن من في الأرض يشمل البشر ونحوهم وهو يشمل الحافين بالعرش دونه ، وجوز أن يراد بمن عنده نوع من الملائكة عليهم السلام متعال عن التبوء والاستقرار في السماء والأرض ، وكأن هذا ميل إلى القول بتجرد نوع من الملائكة عليهم السلام متعال عن التبوء والاستقرار في السماء والأرض ، وكأن هذا ميل إلى القول بتجرد نوع من الملائكة عليهم السلام ، وأنت تعلم أن جمهور أهل الإسلام لا يقولون بتجرد شيء من الممكنات ، والمشهور عن القائلين به القول بتجرد الملائكة مطلقاً لا بتجرد بعض دون بعض .

ثم إن أبا البقاء جوز في قوله تعالى : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } على هذا الوجه أن يكون حالاً من الأولى والثانية على قول من رفع بالظرف أو من الضمير في الظرف الذي هو الخبر أو من الضمير في { عِندَهُ } ويتعين أحد الأخيرين عند من يعرب من مبتدأ ولا يجوز مجيء الحال من المبتدأ ولا يخفى .

وجوز بعض الأفاضل أن تكون الجملة مستأنفة والأظهر جعلها خبراً لمن عنده ، وفي بعض أوجه الحالية ما لا يخفى

هذا ومن باب الإشارة : { وَمَنْ عِندَهُ } [ الأنبياء : 19 ] قيل هم الكاملون الذين في الحضرة فإنهم لا يتحركون ولا يسكنون إلا مع الحضور ولا تشق عليهم عبادة ولا تلهيهم عنه تعالى تجارة بواطنهم مع الحق وظواهرهم مع الخلق أنفاسهم تسبيح وتقديس وهو سبحانه لهم خير أنيس