أما قوله : { فكأين من قرية أهلكناها } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد من قوله : { فكأين } فكم على وجه التكثير ، وقيل أيضا معناه ، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر ، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالا وإن لم يذكر مفصلا .
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة { أهلكناها } بالنون ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب { أهلكتها } وهو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى { فأمليت للكافرين ثم أخذتهم } .
المسألة الثالثة : قوله : { أهلكناها } أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ما ذكرنا ، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية ، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب .
أما قوله وهي : { خاوية على عروشها } ففيه سؤالان :
السؤال الأول : ما معنى هذه اللفظة ؟ فقال صاحب الكشاف : كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش ، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل إذا خلا من أهله ، فإن فسرنا الخاوي بالساقط ، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها ، أي خرت سقوفها على الأرض ، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ، قال ويمكن أن يكون خبرا بعد خبر ، كأنه قيل هي خاوية وهي على عروشها ، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة ، وبالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلا للاعتبار .
السؤال الثاني : ما محل هاتين الجملتين من الإعراب . أعني { وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها } الجواب . الأولى : في محل النصب على الحال والثانية : لا محل لها لأنها معطوفة على ( أهلكناها ) وهذا الفعل ليس له محل . قال أبو مسلم : المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية .
أما قوله : { وبئر معطلة وقصر مشيد } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الحسن { معطلة } من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها وفي المشيد قولان : أحدهما : أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسمى الشيد . والثاني : أنه المرفوع المطول ، والمعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف ، وكذلك البئر التي كلفوها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا وارد ، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهرا خاليا بلا ساكن ، وجعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر . وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير وهي خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت كذلك كانت أدخل في الاعتبار وهو كقوله تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } ، والله أعلم بالصواب .
المسألة الثانية : روى أبو هريرة رضي الله عنه أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ، ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم بحضرموت ، وإنما سميت بذلك لأن صالحا حين حضرها مات ، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضورا بناها قوم صالح ، وأمروا عليها حاسر بن جلاس وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما ، وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى ، وعطل بئرهم وخرب قصورهم . قال الإمام أبو القاسم الأنصاري ، وهذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف يقال إنه بحضرموت .
وقوله تعالى : { فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى : { أهلكناها } أي فأهلكنا كثيراً من القرى أهلكناها ، والجملة بدل من قوله سبحانه { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } [ الحج : 44 ] أو مرفوع على الابتداء وجملة { أهلكناها } خبره أي فكثير من القرى أهلكناها ، واختار هذا أبو حيان قال : الأجود في إعراب { كأين } أن تكون مبتدأ وكونها منصوبة بفعل مضمر قليل .
وقرأ أبو عمرو . وجماعة { أهلكتها } بتاء المتكلم على وفق { موسى فَأمْلَيْتُ للكافرين ثم أخذتهم } [ الحج : 44 ] ونسبة الإهلاك إلى القرى مجازية والمراد إهلاك أهلها ، ويجوز أن يكون الكلام بتقدير مضاف ، وقيل : الإهلاك استعارة لعدم الانتفاع بها بإهلاك أهلها ، وقوله تعالى : { وَهِىَ ظالمة } جملة حالية من مفعول أهلكنا ، وقوله تعالى : { فَهِي خَاوِيَةٌ } عطف على { أهلكناها } فلا محل له من الإعراب أو محله الرفع كالمعطوف عليه ، ويجوز عطفه على جملة { كأين } الخ الاسمية واختاره بعضهم لقضية التشاكل ، والفاء غير مانعة بناء على ترتب الخواء على الإهلاك لأنه على نحو زيد أبوك فهو عطوف عليك ، وجوز عطفه على الجملة الحالية ، واعترض بأن خواءها ليس في حال إهلاك أهلها بل بعده ، وأجيب بأنها حال مقدرة ويصح عطفها على الحال المقارنة أو يقال هي حال مقارنة أيضاً بأن يكون إهلاك الأهل بخوائها عليهم ، ولا يخفى أن كلا الجوابين خلاف الظاهر ، والخوار إما بمعنى السقوط من خوى النجم إذا سقط ، وقوله تعالى : { خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } متعلق به ، والمراد بالعروش السقوف ، والمعنى فهي ساقطة حيطانها على سقوفها بأن تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ، وإسناد السقوط على العروش إليها لتنزيل الحيطان منزلة كل البنيان لكونها عمدة فيه ، وإما بمعنى الخلو من خوت الدار تخوى خواء إذا خلت من أهلها ، ويقال : خوى البطن يخوي خوى إذا خلا من الطعام ، وجعل الراغب أصل معنى الخواء هذا وجعل خوى النجم من ذلك فقال : يقال خوى النجم وأخوى إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيهاً بذلك فقوله تعالى : { على عُرُوشِهَا } إما متعلق به أو متعلق بمحذوف وقع حالاً ، و { على } بمعنى مع أي فهي خالية مع بقاء عروشها وسلامتها ، ويجوز على تفسير الخواء بالخلو أن يكون { على عُرُوشِهَا } خبراً بعد خبر أي فهي خالية وهي على عروشها أي قائمة مشرفة على عروشها على أن السقوف سقطت إلى الأرض وبقيت الحيطان قائمة وهي مشرفة على السقوف الساقطة ، وإسناد الإشراف إلى الكل مع كونه حال الحيطان لما مر آنفاً { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } عطف على { قَرْيَةٌ } والبئر من بأرت أي حفرت وهي مؤنثة على وزن فعل بمعنى مفعول وقد تذكر على معنى القليب وتجمع على أبار وآبار وأبؤر وأأبر وبيار ، وتعطيل الشيء إبطال منافعه أي وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا يسقى منها لهلاك أهلها .
وقرأ الجحدري . والحسن . وجماعة { مُّعَطَّلَةٍ } بها لتخفيف من أعطله بمعنى عطله .
{ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } عطف على ما تقدم أيضاً أي وكم قصر مرفوع البنيان أو مبنى بالشيد بالكسر أي الجص أخليناه عن ساكنيه كما يشعر به السياق ووصف البئر بمعطلة قيل ، وهذا يؤيد كون معنى { خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } خالية مع بقاء عروشها ، وفي «البحر » ينبغي أن يكون { مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ } من حيث عطفهما على { قَرْيَةٌ } داخلين معها في حيز الإهلاك مخبراً به عنهما بضرب من التجوز أي وكم بئر معطلة وقصر مشيد أهلكنا أهلهما .
وزعم بعضهم عطفهما على { عُرُوشِهَا } وليس بشيء ، وظاهر التنكير فيهما عدم إرادة معين منهما ، وعن ابن عباس أن البئر كانت لأهل عدن من اليمن وهي الرس ، وعن كعب الأحبار أن القصر بناه عاد الثاني .
/ وعن الضحاك . وغيره أن القصر على قلة جبل بحضرمون والبئر بسفحه وأن صالحاً عليه السلام نزل عليها مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله تعالى من العذاب ، وسميت حضرموت بفتح الراء والميم ويضمان ويبني ويضاف لأن صالحاً عليه السلام حين حضرها مات ، وعند البئر بلدة اسمها حاضورا بناها قوم صالح وأمروا عليها جلهس بن جلاس وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى عن آخرهم وعطل سبحانه بئرهم وقصرهم .
وجوز أن يكون إرادة ذلك بطريق التعريض وفيه بعد
ومن باب الإشارة : { فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِي خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مُّشَيَّدَةٍ } [ الحج : 45 ] قيل : في القرية الظالمة إشارة إلى القلب الغافل عن الله تعالى ، وفي البئر المعطلة إشارة إلى الذهن الذي لم يستخرج منه الأفكار الصافية ، وفي القصر المشيد إشارة إلى البدن المشتمل على حجرات القوى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.