مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ} (31)

أما قوله تعالى : { حنفاء لله } فقد تقدم ذكر تفسير ذلك وأنه الاستقامة على قول بعضهم والميل إلى الحق على قول البعض ، والمراد في هذا الموضع ما قيل من أنه الإخلاص فكأنه قال تمسكوا بهذه الأمور التي أمرت ونهيت على وجه العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به . ولذلك قال { غير مشركين به } . وهذا يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوي بما يأتيه من العبادة الإخلاص فبين تعالى مثلين للكفر لا مزيد عليهما في بيان أن الكافر ضار بنفسه غير منتفع بها . وهو قوله : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } قال صاحب الكشاف إن كان هذا تشبيها مركبا فكأنه قيل من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس وراءه هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرقت أجزاؤه في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة . وإن كان تشبيها مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء ، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله كالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة . وقرئ بكسر الخاء والطاء وبكسر الفاء مع كسرهما وهي قراءة الحسن وأصلها تختطفه وقرئ الرياح .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ} (31)

{ حنفاء لله } مائلين عن كل دين زائع الى الدين الحق مخلصين له تعالى { غير مشركين به } أي شيئاً من الأشياء فيدخل في ذلك الأوصان دخولاً أولياً هما حالان مؤكدتان من واو { فاجتنبوا } [ الحج : 30 ] وجوز أن يكون حالاً من واو { واجتنبوا } [ الجح : 30 ] وأخر التبري عن التولي ليتصل بقوله تعالى :

{ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء } وهي جملة مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الاجتناب من الإشراك ، وإظهار الاسم الجليل لإظهار كمال قبح الإشراك ، وقد شبه الايمان بالسماء لعلوه والإشراك بالسقوط منها فالمشرك ساقط من أوج الايمان إلى حضيض الكفر وهذا السقوط إن كان في حق المرتد فظاهره وهو في حق غيره باعتبار الفطرة وجعل التمكن والقوة بمنزلة الفعل كما قيل في قوله تعالى : { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات } [ البقرة : 257 ] { فَتَخْطَفُهُ الطير } فإن الأهواء المردية توزع أفكاره وفي ذلك تشبيه الأفكار الموزعة بخطف جوارح الطير وهو مأخوذ من قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون } [ الزمر : 29 ] وأصل الخطف الاختلاس بسرعة .

وقرأ نافع { فَتَخْطَفُهُ } بفتح الخاء والطاء مشددة . وقرأ الحسن . وأبو بجار . والأعمش { فَتَخْطَفُهُ } بكسر التاء والخاء والطاء مشددة ، وعن الحسن كذلك إلا أنه فتح الطاء مشددة . وقرأ الأعمش أيضاً { تخطفه } بغير فاء وإسكان الخاء وفتح الطاء مخففة ، والجملة على هذه القراءة في موضع الحال ، وأما على القراءات الأول فالفاء للعطف وما بعدها عطف على { فَلَمَّا خَرَّ } وفي إيثار المضارع إشعار باستحضار تلك الحالة العجيبة في مشاهد المخاطب تعجيباً له ، وجوز أبو البقاء أن يكون الكلام بتقدي فهو يخطفه والعطف من عطف الجملة في مشاهد المخاطب تعجيباً له ، وجوز أبو البقاء أن يكون الكلام بتقدير فهو يخطفه والعف من عطف الجملة على الجملة { أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح } أي تسقطه وتقذفه . وقرأ أبو جعفر . وأبو رجاء { الرياح } { فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } بعيد فإن الشيطان قد طوح به في الضلالة ، وفي ذلك تشبيه الشيطان المضل بالريح المهوية وهو مأخوذ من قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } [ مريم : 83 ] فالتشبيه في الآية مفرق . والظاهر أن { تَهْوَى } عطف على { تخطف } وأو للتقسيم على معنى أن مهلكه إما هوى يتفرق به في شعب الخسار أو شيطان يطوح به في مهمه البوار ، وفرق بين خاطر النفس والشيطان فلا يرد ما قاله ابن المنير من أن الأفكار من نتائج وساوس الشيطان ، والآية سيقت لجعلهما شيئين ، وفي تفسير القاضي أنها للتخيير على معنى أنت مخير بين أن تشبه المشرك بمن خر من السماء فتخطفه الطير وبين من خر من السماء فتهوى به الريح في مكان سحيق أو للتنويع على معنى أن المشبه به نوعان والمشبه بالنوع الأول الذي توزع لحمه في بطون جوارح الطير المشرك الذي لا خلاص له من الشرك ولا نجاة أصلاً ، والمشبه بالنوع الثاني الذي رمته الريح في المهاوي المشرك الذي يرجى خلاصه على بعد ، وقال ابن المنير : إن الكافر قسمان لا غير ، مذبذب متمادى على الشك وعدم التصميم على ضلالة واحدة وهذا مشبه بمن اختطفته الطير وتوزعته فلا يستولى طائر على قطعة منه إلا انتهبها منه آخر وتلك حال المذبذب لا يلوح له خيال إلا اتبعه وترك ما كان عليه ، ومشرك مصمم على معتقد باطل لو نشر بالمناشيز لم يكع ولم يرجع لا سبيل إلى تشكيكه ولا مطمع في نقله عما هو عليه فهو فرح مبتهج بضلالته وهذا مشبه في قراره على الكفر باستقرار من هوت به الريح إلى واد سافل هو أبعد الأحياز عن السماء فاستقر فيه انتهى ، ولا يخفى أن ما ذكرناه أوفق بالظاهر .

وجوز غير واحد أن يكون من التشبيهات المركبة فكأنه سبحانه قال : من أشرك بالله تعالى فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق قطعاً في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة ، وجعل في «الكشف » أو على هذا للتخيير وليس بمتعين فيما يظهر ، وعلى الوجهين تفريق التشبيه وتركيبه في الآية تشبيهان .

وذكر الطيبي أن فيها على التركيب تشبيهين ، و { وَمَا تَهْوَى } عطف على { خَرَّ } وعلى التفريق تشبيهاً واحداً و { تَهْوَى } عطف على { *تخطف } وزعم أن في عبارة الكشاف ما يؤذن بذلك وهو غير مسلم .