فأجاب الله تعالى بقوله : { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } وهو عذاب يوم بدر ، فزيدت اللام للتأكيد كالباء في { ولا تلقوا بأيديكم } أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم ، ومعناه تبعكم ولحقكم ، وقرأ الأعرج { ردف لكم } بوزن ذهب وهما لغتان ، والكسر أفصح ، وههنا بحثان :
البحث الأول : أن عسى ولعل في وعد الملوك ووعيدهم يدلان على صدق الأمر ، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم ، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لوثوقهم بأن عدوهم لا يفوتهم ، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده .
الثاني : أنه قد ثبت بالدلائل العقلية أن عذاب الحجاب أشد من عذاب النار ، ولذلك قال : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم } فقدم الحجاب على الجحيم ، ثم إنهم كانوا محجوبين في الحال ، فكان سبب العذاب بكماله حاصلا ، إلا أن الاشتغال بالدنيا ولذاتها كالعائق عن إدراك ذلك الألم ، كما أن العضو الخدر إذا مسته النار ، فإن سبب الألم حاصل في الحال ، لكنه لا يحصل الشعور بذلك الألم لقيام العائق ، فإذا زال العائق عظم البلاء ، فكذا ههنا إذا زال البدن عظم عذاب الحجاب ، فقوله سبحانه : { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } يعني المقتضي له والمؤثر فيه حاصل ، وتمامه إنما يحصل بعد الموت .
{ قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ } أصل معنى { رَدِفَ } تبع والمراد به هنا لحق ، ووصل وهو مما يتعدى بنفسه وباللام كنصح .
وقيل : اللام مزيدة لتأكيد وصول الفعل إلى المفعول به كما زيدت الباء لذلك في قوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 195 ] ، وقيل : إن اللام لتضمين { رَدِفَ } معنى دنا وهو يتعدى باللام كما يتعدى بمن وإلى كما في الأساس ولتضمينه ذلك عدى بمن في قوله :
فلما ردفنا من عمير وصحبه *** تولوا سراعاً والمنية تعنق
وقيل : اللام داخلة على المفعول لأجله والمفعول به الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه محذوف أي { رَدِفَ } الخلق لأجلكم ولا يخفى ضعفه ، وقيل : إن الكلام تم عند { رَدِفَ } على أن فاعله ضمير يعود على الوعد ، ثم استأنف بقوله تعالى : { لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ } على أن { بَعْضُ } مبتدأ ، و { لَكُمْ } متعلق بمحذوف وقع خبراً له ، ولا يخفى ما فيه من التفكيك للكلام والخروج عن الظاهر لغير داع لفظي ولا معنوي ، والمعنى قل عسى أن يكون لحقكم ووصل إليكم بعض الذي تستعجلون حلوله وتطلبونه وقتاً فوقتاً ، والمراد بهذا البعض عذاب يوم بدر ، وقيل : عذاب القبر وليس بذاك ، ونسبة استعجال ذلك إليهم بناءاً على ما يقتضيه ما هم عليه من التكذيب والاستهزاء وإلا فلا استعجال منهم حقيقة ، والترجي المفهوم من عسى قيل : راجع إلى العباد .
وقال الزمخشري : إن عسى . ولعل . وسوف في وعد الملوك ووعيدهم تدل على صدق الأمر وجده وما لا مجال للشك بعده ، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم وأنهم لا يعجلون بالانتقام لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم بأن عدوهم لا يفوتهم وأن الرمزة إلى الإغراض كافية من جهتهم ، فعلى ذلك جرى وعد الله تعالى ووعيده سبحانه انتهى .
/ وعليه ففي الكلام استعارة تمثيلية ولا يخفى حسن ذلك ، وإيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال : عسى أن يردفكم الخ لكونه أدل على تحقق الوعد ، وقرأ ابن هرمز { رَدِفَ } بفتح الدال وهو لغة فيه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.