مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ} (14)

وقوله : { إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما }

في بعثة الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى بإذن الله فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى والإتيان بما أمر الله ، والله عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده ، وأما عيسى فهو بشر فأمره الله بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة .

وقوله : { فعززنا بثالث } أي قوينا وقرئ فعززنا بثالث مخففا ، من عز إذا غلب فكأنه قال فغلبنا نحن وقهرنا بثالث والأول أظهر وأشهر وترك المفعول حيث لم يقل فعززناهما لمعنى لطيف وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لا نصرتهما والكل مقوون للدين المتين بالبرهان المبين ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : النبي صلى الله عليه وسلم بعث رسله إلى الأطراف واكتفى بواحد وعيسى عليه السلام بعث اثنين ، نقول النبي بعث لتقرير الفروع وهو دون الأصول فاكتفى بواحد فإن خبر الواحد في الفروع مقبول ، وأما هما فبعثا بالأصول وجعل لهما معجزة تفيد اليقين وإلا لما كفى إرسال اثنين أيضا ولا ثلاثة .

المسألة الثانية : قال الله تعالى لموسى عليه السلام { سنشد عضدك } [ فذكر المفعول هناك ولم يذكره ههنا مع أن المقصود هناك أيضا نصرة الحق ، نقول موسى عليه السلام كان أفضل من هارون وهارون بعث معه بطلبه حيث قال : { فأرسله معي } فكان هارون مبعوثا ليصدق موسى فيما يقول ويقوم بما يأمره ، وأما هما فكل واحد مستقل ناطق بالحق فكان هناك المقصود تقوية موسى وإرسال من يؤنس معه وهو هارون ، وأما ههنا فالمقصود تقوية الحق فظهر الفرق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ} (14)

ونسبة إرسالهم إليه تعالى في قوله سبحانه : { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين } بناء على أنه كان بأمره تعالى لتكميل التمثيل وتتميم التسلية ، وقال ابن عباس . وكعب . هم رسل الله تعالى : واختاره بعض الأجلة وادعى أن الله تعالى أرسلهم ردءاً لعيسى عليه السلام مقررين لشريعته كهرون لموسى عليهما السلام ، وأيد بظاهر { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين } وقول المرسل إليهم { مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } [ يس : 5 1 ] إذ البشرية تنافى على زعمهم الرسالة من الله تعالى لا من غيره سحبانه ، واستدل البعض على ذلك بظهور المعجزة كإبراء الأكمه وإحياء الميت على أيديهم كما جاء في بعض الآثار والمعجزة مختصة بالنبي على ما قرر في الكلام ، ومن ذهب إلى الأول أجاب عن الأول بما سمعت وعن الثاني بأنهم إما أن يكونوا دعوهم على وجه فهموا منه أنهم مبلغون عن الله تعالى دون واسطة أو أنهم جعلوا الرسل بمنزلة مرسلهم فخاطبوهم بما يبطل رسالته ونزلوه منزلة الحاضر تغليباً فقالوا ما قالوه ، وعن الثالث بأن ما ظهر على أيديهم إن صح الأثر كان كرامة لهم في معنى المعجزة لعيسى عليه السلام ولا يتعين كونه معجزة لعم إلا إذا كانوا قد ادعوا الرسالة من الله تعالى بدون واسطة وهو أول المسألة ، و { إِذْ } بدل من إذ الأولى ، والإثنان قيل يوحنا وبولس ، وقال مقاتل تومان وبولس ، وقال شعيب الجبائي شمعون ويوحنا ، وقال وهب . وكعب : صادق وصدوق ، وقيل نازوص وماروس .

وقيل : { أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ } دون أرسلنا إليها ليطابق إذ جاءها لأن الإرسال حقيقة إنما يكون إليهم لا إليها بخلاف المجيء وأيضاً التعقيب بقوله تعالى : { فَكَذَّبُوهُمَا } عليه أظهر وهو هنا نظير التعقيب في قوله تعالى : { فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت } [ البقرة : 60 ] وسميت الفاء الفضيحة لأنها تفصح عن فعل محذوف وكان أصحاب القرية إذ ذاك عباد أصنام { فَعَزَّزْنَا } أي قويناهما وشددنا قاله مجاهد وابن قتيبة ، وقال يقال تعزز لحم الناقة إذ صلب ، وقال غيره : يقال عزز المطر الأرض إذا لبدها وشدها ويقال للأرض الصلبة العزاز ومنه العز بمعناه المعروف ، ومفعول الفعل محذوف أي فعززناهما { بِثَالِثٍ } لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصود ذكر المعزز به .

وهو على ما روى عن ابن عباس شمعون الصفا ويقال سمعنان أيضاً ، وقال وهب وكعب : شلوم وعند شعيب الجبائي بولص بالصاد وبعضهم يحكيه بالسين . وقرأ الحسن . وأبو حيوة . وأبو بكر . والمفضل . وأبان { فَعَزَّزْنَا } بالتخفيف وهو التشديد لغتان كشدة وشدده فالمعنى واحد ، وقال أبو علي المخفف من عزه إذا غلبه ومنه قولهم من عزيز أي من غلب سلب ، والمعنى عليه فغلبناهم بحجة ثالث . وقرأ عبد الله { *بالثالث } { بالبينات فَقَالُواْ } عطف على { فَكَذَّبُوهُمَا } فعززنا والفاء للتعقيب أي فقال الثلاثة بعد تكذيب الإثنين والتعزيز بثالث { إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } ولا يضر في نسبة القول إلى الثلاثة سكوت البعض إذ يكفي الاتفاق بل قالوا طريقة التكلم مع الغير كون المتكلم واحداً والغير متفقاً معه .

/خ13