ثم أجابهم المرسلون بقولهم : { قالوا طائركم معكم } أي شؤمكم معكم وهو الكفر .
ثم قالوا : { أئن ذكرتم } جوابا عن قولهم : { لنرجمنكم } يعني أتفعلون بنا ذلك ، وإن ذكرتم أي بين لكم الأمر بالمعجز والبرهان { بل أنتم قوم مسرفون } حيث تجعلون من يتبرك به كمن يتشاءم به وتقصدون إيلام من يجب في حقه الإكرام أو { مسرفون } حيث تكفرون ، ثم تصرون بعد ظهور الحق بالمعجز والبرهان ، فإن الكافر مسيء فإذا تم عليه الدليل وأوضح له السبيل ويصر يكون مسرفا ، والمسرف هو المجاوز الحد بحيث يبلغ الضد وهم كانوا كذلك في كثير من الأشياء ، أما في التبرك والتشاؤم فقد علم وكذلك في الإيلام والإكرام ، وأما في الكفر فلأن الواجب اتباع الدليل ، فإن لم يوجد به فلا أقل من أن لا يجزم بنقيضه وهم جزموا بالكفر بعد البرهان على الإيمان ، فإن قيل بل للإضرار فما الأمر المضرب عنه ؟ نقول يحتمل أن يقال قوله : { أئن ذكرتم } وارد على تكذيبهم ونسبتهم الرسل إلى الكذب بقولهم : { إن أنتم إلا تكذبون } فكأنهم قالوا : أنحن كاذبون وإن جئنا بالبرهان ، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أن يقال أنحن مشؤومون ، وإن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه ، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أن يقال أنحن مستحقون للرجم والإيلام ، وإن بينا صحة ما أتينا به ، لا بل أنتم قوم مسرفون وأما الحكاية فمشهورة ، وهي أن عيسى عليه السلام بعث رجلين إلى أنطاكية فدعيا إلى التوحيد وأظهرا المعجزة من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فحبسهما الملك ، فأرسل بعدهما شمعون فأتى الملك ولم يدع الرسالة ، وقرب نفسه إلى الملك بحسن التدبير ، ثم قال له : إني أسمع أن في الحبس رجلين يدعيان أمرا بديعا ، أفلا يحضران حتى نسمع كلامهما ؟ قال الملك : بلى ، فأحضرا وذكرا مقالتهما الحقة ، فقال لهما شمعون : فهل لكما بينة ؟ قالا : نعم ، فأبرآ الأكمة والأبرص وأحييا الموتى ، فقال شمعون : أيها الملك ، إن شئت أن تغلبهم ، فقال للآلهة التي تعبدونها تفعل شيئا من ذلك ، قال الملك : أنت لا يخفى عليك أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تقدر ولا تعلم ، فقال شمعون : فإذن ظهر الحق من جانبهم ، فآمن الملك وقوم وكفر آخرون ، وكانت الغلبة للمكذبين .
{ قَالُواْ } أي الرسل رداً عليهم { طَائِرُكُمْ } أي سبب شؤمكم { مَّعَكُمْ } لا من قبلنا كما تزعمون وهو سوء عقيدتكم وقبح أعمالكم .
وأخرج ابن المنذر . عن ابن عباس أنه فسر الطائرة بنفس الشؤم أي شؤمكم معكم وهو الإقامة على الكفر وأما نحن فلا شؤم معنا لأنا ندعوا إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وفيه غاية اليمن والخبر والبركة ، وعن أبي عبيدة . والمبرد { طَائِرُكُمْ } أي حظكم ونصيبكم من الخير والشر معكم من أفعالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر .
وقرأ الحسن . وابن هرمز . وعمرو بن عبيد وزر بن حبش { طيركم } بياء ساكنة بعد الطاء ، قال الزجاج : الطائر والطير بمعنى ، وفي القاموس الطير جمع طائر وقد يقع على الواحد وذكر أن الطير لم يقع في القرآن الكريم إلا جمعاً كقوله تعالى : { والطير صافات } [ النور : 41 ] فإذا كان في هذا القراءة كذلك فطائر وإن كان مفرداً لكنه بالإضافة شامل لكل ما يتطير به فهو في معنى الجمع فالقراءتان متوافقتان ، وعن الحسن أنه قرأ { أطيركم } مصدر أطير الذي أصله تطير فأدغمت التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل في الماضي والمصدر { أَإن ذُكّرْتُم } بهمزتين الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة إن الشرطية حققها الكوفيون . وابن عامر وسههلها باقي السبعة .
واختلف سيبويه . ويونس فيما إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب فذهب سيبويه إلى إجابة الاستفهام أي تقدير المستفهم عنه وكأنه يستغنى به عن تقدير جواب الشرط فالمعنى عليه أئن ذكرتم ووعظتم بما فيه سعادتكم تتطيرون أو تتوعدون أو نحو ذلك ويقدر مضارع مرفوع وإن شئت قدرت ماضياً كتطيرتم .
وذهب يونس إلى إجابة الشرط وكأنه يستغنى به عن إجابة الاستفهام وتقدير مصب له فالتقدير أئن ذكرتم تتطيروا أو نحوه مما يدل عليه ما قبل ويقدر مضارع مجزوم وإن شئت قدرت ماضياً مجزوم المحل . وقرأ زر بهمزتين مفتوحتين وهي قراءة أبي جعفر . وطلحة إلا أنهما لينا الثانية بين بين ، وعلى تحقيقهما جاء قول الشاعر :
إن كنت داود بن أحوى مرجلا *** فلست براع لابن عمك محرماً
فالهمزة الأولى للاستفهام والثانية همزة إن المصدرية والكلام على تقدير حرف لام الجر أي ألأن ذكرتم تطيرتم . وقرأ الماجشون يوسف بن يعقوب المدني بهمزة واحدة مفتوحة فيحتمل تقدير همزة الاستفهام فتتحد هذه القراءة والتي قبلها معنى ، ويحتمل عدم تقديرها فيكون الكلام على صورة الخبر ، وهو على ما قيل مسوق للتعجب والتوبيخ ، وتقدير حرف الجر على حاله ، والجار متعلق بمحذوف على ما يشعر به كلام الكشاف أي تطيرتم لأن ذكرتم ، وقال ابن جني { إن ذُكّرْتُم } على هذه القراءة معمول { طائركم مَّعَكُمْ } فإنهم لما قالوا
{ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } [ يس : 18 ] أجيبوا بل طائركم معكم إن ذكرتم أي هو معكم لأن ذكرتم فلم تذكروا ولم تنتهوا فاكتفى بالسبب الذي هو التذكير عن المسبب الذي هو الانتهاء كما وصفوا الطائر موضع مسببه وهو التشاؤم لما كانوا يألفونه من تكارههم نعيب الغراب أو بروحه . وقرأ الحسن بهمزة واحدة مكسورة وفي ذلك احتمالان تقدير الهمزة فتتحد هذه القراءة وقراءة الجمهور وعدم تقديرها فيكون الكلام على صورة الخبر والجواب محذوف لدلالة ما قبل عليه وتقديره كما تقدم ، وقرأ أبو عمرو في رواية . وزر أيضاً بهمزتين مفتوحتين بينهما مدة كأنه استثقل اجتماعهما ففصل بينهما بألف . وقرأ أيضاً أبو جعفر . والحسن وكذا قرأ قتادة . والأعمش وغيرهما { أَيْنَ } بهمزة مفتوحة وياء ساكنة وفتح النون { ذُكّرْتُم } بتخفيف الكاف على أن أين ظرف أداة شرط وجوابها محذوف لدلالة طائركم عليه على ما قيل أي أين ذكرتم صحبكم طائركم والمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم وفيه من المبالغة بشؤمهم ما لا يخفى .
وفي «البحر » من جوز تقديم الجزاء على الشرط وهم الكوفيون وأبو زيد . والمبرد يجوز أن يكو الجواب طائركم معكم وكان أصله أين ذكرتم فطائركم معكم فلما قدم حذف الفاء { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } أي عادتكم الإسراف ومجاوزة الحد في العصيان مستمرون عليه فمن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله تعالى وتذكيرهم فهو إضراب عما يقتضيه قوله تعالى : { أَإن ذُكّرْتُم } من إنكار أن يكون ما هو سبب السعادات أجمع سبب الشؤم لأنه تنبيه وتعريك إلى البت عليهم بلزام الشؤم وإثبات الإسراف الذي هو أبلغ وهو جالب الشؤم كله أو بل { أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } في ضلالكم متمادون في غيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من الهداة لدين الله تعالى فهو إضراب عن مجموع الكلام أجابوهم بأنهم جعلوا أسباباً للسعادة مدمجين فيه التنبيه على سوء صنيعهم في الحرمان عنها ثم أضربوا عنه إلى ما فعل القوم من التعكيس لما يقتضيه النظر الصحيح فتأمل .
ومن باب الاشارة : وقيل : في قوله سبحانه طائركم معكم إنه إشارة إلى استعدادهم الشيء الذي طار بهم عنقاء مغربة إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.