مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} (8)

قوله تعالى : { أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب ، أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ، أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب ، جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }

اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لأولئك الكفار وهي الشبهة المتعلقة بالنبوات وهي قولهم إن محمدا لما كان مساويا لغيره في الذات والصفات والخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنة فكيف يعقل أن يختص هو بهذه الدرجة العالية والمنزلة الشريفة ؟ وهو المراد من قولهم : { أأنزل عليه الذكر من بيننا } فإنه استفهام على سبيل الإنكار ، وحكى الله تعالى عن قوم صالح أنهم قالوا مثل هذا القول فقالوا : { أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر } وحكى الله تعالى عن قوم محمد صلى الله عليه وسلم أيضا أنهم قالوا : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } وتمام الكلام في تقرير هذه الشبهة : أنهم قالوا النبوة أشرف المراتب ، فوجب أن لا تحصل إلا لأشرف الناس ومحمد ليس أشرف الناس ، فوجب أن لا تحصل له والنبوة ، والمقدمتان الأوليان حقيتان لكن الثالثة كاذبة وسبب رواج هذا التغليط عليهم أنهم ظنوا أن الشرف لا يحصل إلا بالمال والأعوان وذلك باطل ، فإن مراتب السعادة ثلاثة أعلاها هي النفسانية وأوسطها هي البدنية وأدونها هي الخارجية وهي المال والجاه ، فالقوم عكسوا القضية وظنوا بأخس المراتب أشرافها فلما وجدوا المال والجاه عند غيره أكثر ظنوا أن غيره أشرف منه ، فحينئذ انعقد هذا القياس الفاسد في أفكارهم ، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجوه الأول : قوله تعالى : { بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب } وفيه وجهان أحدهما : أن قوله : { بل هم في شك من ذكري } أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم وذلك لأن كل ما ذكروه من الشبهات فهي كلمات ضعيفة وأما الدلائل التي تدل بنفسها على صحة نبوته ، فهي دلائل قاطعة فلو تأملوا حق التأمل في الكلام لوقفوا على ضعف الشبهات التي تمسكوا بها في إبطال النبوة ، ولعرفوا صحة الدلائل الدالة على صحة نبوته ، فحيث لم يعرفوا ذلك كان لأجل أنهم تركوا النظر والاستدلال ، فأما قوله تعالى : { بل لما يذوقوا عذاب } فموقعه من هذا الكلام أنه تعالى يقول هؤلاء إنما تركوا النظر والاستدلال لأني لم أذقهم عذابي ، ولو ذاقوه لم يقع منهم إلا الإقبال على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات وثانيها : أن يكون المراد من قوله : { بل هم في شك من ذكرى } هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر ، ثم إنهم أصروا على الكفر ، ولم ينزل عليهم العذاب ، فصار ذلك سببا لشكهم في صدقه ، وقالوا : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } فقال : { بل هم في شك من ذكري } معناه ما ذكرناه ، وقوله تعالى : { بل لما يذوقوا عذاب } معناه أن ذلك الشك إنما حصل بسبب عدم نزول العذاب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} (8)

{ نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } أي القرآن { مّن بَيْنِنَا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم كقولهم : { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] ومرادهم إنكار كونه ذكراً منزلاً من عند الله تعالى كقولهم { لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } [ الأحقاف : 11 ] وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذبهم ليس إلا الحسد وقصر النظر على الحطام الدنيوي { بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى } من القرآن الذي أنزلته على رسولي المشحون بالتوحيد لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الأدلة المؤدية إلى العلم بحقيته وليس في عقيدتهم ما يقطعون به فلذا تراهم ينسبونه إلى السحر تارة وإلى الاختلاق أخرى فبل للإضراب عن جميع ما قبله ، وبل في قوله تعالى : { بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } إضراب عن مجموع الكلامين السابقين حديث الحسد في قوله تعالى : { أَأنزِلَ } الخ وحديث الشك في قوله تعالى : { بْل هُمْ فَى شَكّ } أي لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الحسد والشك حينئذ يعني أنهم لا يصدقون إلا أن يمسهم العذاب فيضطروا إلى التصديق أو إضراب عن الإضراب قبله أي لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم واضطروا إلى التصديق بذكري ، والأول على ما في «الكشف » هو الوجه السديد وينطبق عليه ما بعد من الآيات ، وقيل المعنى لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن ولذلك شكوا فيه وهو كما ترى » وفي التعبير بلما دلالة على أن ذوقهم العذاب على شرف الوقوع

[ بم وقوله تعالى :