ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب ( الأول ) فهو قوله { ترى الظالمين مشفقين } خائفين خوفا شديدا { مما كسبوا } من السيئات { وهو واقع بهم } يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقوا ، أما ( الثاني ) فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها ، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة ، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات ، وهي البقاع الشريفة من الجنة ، فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم قال : { لهم ما يشاءون عند ربهم } وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة ، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة { ذلك هو الفضل الكبير } وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله ، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى لأنه تعالى قال : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم } فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاء على الإيمان والأعمال الصالحات .
ثم قال تعالى : { ذلك هو الفضل الكبير } وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق .
{ مُشْفِقِينَ } خائفين الخوف الشديد { مِمَّا كَسَبُواْ } في الدنيا من السيآت ، والكلام قيل على تقدير مضاف .
و { مِنْ } صلة الإشفاق أي مشفقين من وبال ما كسبوا { وَهُوَ } أي الوبال { وَاقِعٌ بِهِمْ } أي حاصل لهم لاحق بهم ، واختار بعضهم أن لا تقدير ومن تعليلية لأنه أدخل في الوعيد ، والجملة اعتراض للإشارة إلى أن إشفاقهم لا ينفعهم ، وإيثار { وَاقِعٍ } على يقع مع أن المعنى على الاستقبال لأن الخوف إنما يكون من المتوقع بخلاف الحزن للدلالة على تحققه وأنه لا بد منه ، وجوز أن تكون حالاً من ضمير { مُشْفِقِينَ } وظاهر ما سمعت أنه حال مقدرة .
{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات في روضات الجنات } أي مستقرون في أطيب بقاعها وأنزهها/
وقال الراغب : هي محاسنها وملاذها ، وأصل الروضة مستنقع الماء والخضرة واللغة الكثيرة في واوها جمعاً التسكين كما في المنزل ولغة هذيل بن مدركة فتحها فيقولون روضات إجراء للمعتل مجرى الصحيح نحو جفنات ولم يقر أحد فيما علمنا بلغتهم { لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ عِندَ رَبّهِمْ } أي ما يشتهونه من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم فالظرف متعلق بمتعلق الجار والمجرور الواقع خبراً لما أوبه واختاره جار الله ونفي أن يكون متعلقاً بيشاؤون مع أنه الظاهر نحواً ، وبين «صاحب الكشف » ذلك بأنه كلام في معرض المبالغة في وصف ما يكون أهل الجنة فيه من النعيم الدائم فأفيد أنهم في أنزه موضع من الجنة وأطيب مقعد منها بقوله تعالى : { فِي روضات الجنات } لأن روضة الجنة أنزه موضع منها لاسيما والإضافة في هذا المقام تنبئ عن تميزها بالشرف والطيب ، والتعقيب بقوله تعالى : { لَهُمْ مَّا } أيضاً ثم أفيد أن لهم ما يشتهون من ربهم ولا خفاء أنك إذا قلت : لي عند فلان ما شئت كان أبلغ في حصول كل مطالبك منه مما إذا قلت : لي ما شئت عند فلان بالنسبة إلى الطالب والمطلوب منه .
أما الأول : فلأنه يفيد أن جميع ما تشاؤه موجود مبذول لك منه ، والثاني يفيد إن ما شئت عنده مبذول لا جميع ما تشاؤه ، وأما الثاني : فلأنك وصفته بأنه يبذل جميع المرادات ، وفي الثاني وصفته بأن ما شئت عنده مبذول لك إما منه وإما من غيره ثم في الأول مبالغة في تحقيق ذلك وثبوته كما تقول : لي عندك وقبلك كذا ، فالله تعالى شأنه أخبر بأن ذلك حق لهم ثابت مقضي في ذمة فضله سبحانه ولا كذلك في الثاني ، ثم قال : ولعل الأوجه أن يجعل { كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } خبراً آخر أي الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم في روضات الجنات لهم فيها ما يشاؤون ، وإنما أخر توخياً لسلوك طريق المبالغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى ومراعاة لترتيب الوجود أيضاً فإن الوافد والضيف ينزل في أنزه موضع ثم يحضر بين يديه الذي يشتهيه ؛ وملاك ذلك كله أن يختصه رب المنزل بالقرب والكرامة ، وأن جعله حالاً من فاعل يشاؤن أو من المجرور في { لَهُمْ } أفاد هذا المعنى أيضاً لكنه يقصر عما آثرناه لأنه قد أتى به إتيان الفضلة وهو مقصود بذاته عمدة ، ولعمري أن ما آثره حسن معنى إلا أبعد لفظاً مما آثره جار الله ، ولا يخفي عليك ما هو الأنسب بالتنزيل .
وفي «الخبر » عن أبي ظبية قال : إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول : ما أمطركم ؟ فما يدعو داع من القوم إلا أمطرته حتى أن القائل منهم ليقول : أمطرينا كواعب أترابا { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من حال المؤمنين ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه { هُوَ الفضل الكبير } الذي لا يقدر قدره ولا تبلغ غايته ويصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا .
ومما قاله أرباب الإشارات في بعض الآيات : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } استعملوا تكاليف الشرع لقمع الطبع وكسر الهوى وتزكية النفس وتصفية القلب وجلاء الروح { في روضات الجنات } في الدنيا جنات الوصلة والمعارف وطيب الأنس في الخلوة والآخرة في روضات الجنة { لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ عِندَ رَبّهِمْ } [ الشورى : 22 ] حسب مراتبهم في القربات والوصلات والمكاشفات ونيل الدرجات وعلى قدر هممهم
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.