ثم قال : { فاطر السموات والأرض } قرئ بالرفع والجر ، فالرفع على أنه خبر ذلكم ، أو خبر مبتدأ محذوف ، والجر على تقدير أن يكون الكلام هكذا وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله فاطر السموات والأرض وقوله { ذلكم الله ربي } اعتراض وقع بين الصفة والموصوف ، { جعل لكم من أنفسكم } من جنسكم من الناس { أزواجا ومن الأنعام أزواجا } أي خلق من الأنعام أزواجا ، ومعناه وخلق أيضا للأنعام من أنفسها أزواجا { يذرؤكم } أي يكثركم ، يقال : ذرأ الله الخلق ، أي كثرهم ، وقوله { فيه } أي في هذا التدبير ، وهو التزويج وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ، والضمير في { يذرؤكم } يرجع إلى المخاطبين ، إلى أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين ( الأول ) أنه غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء ( الثاني ) أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين ، فإن قيل ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير ، ولم لم يقل يذرؤكم به ؟ قلنا جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير ، ألا ترى أنه يقال للحيوان في خلق الأزواج تكثير ، كما قال تعالى : { ولكم في القصاص حياة } .
ثم قال تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وهذه الآية فيها مسائل :
المسألة الأولى : احتج علماء التوحيد قديما وحديثا بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأعضاء والأجزاء وحاصلا في المكان والجهة ، وقالوا لو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له ، وذلك باطل بصريح قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر ، فيقال إما أن يكون المراد { ليس كمثله شيء } في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله في الصفات شيء ، والثاني باطل ، لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين ، كما أن الله تعالى يوصف بذلك ، وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بالمماثلة المساواة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، فلو كان الله تعالى جسما ، لكان كونه جسما ذاتا لا صفة ، فإذا كان سائر الأجسام مساوية له في الجسمية ، أعني في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة ، فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتا ، والنص ينفي ذلك فوجب أن لا يكون جسما .
واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه «بالتوحيد » ، وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها ، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات ، لأنه كان رجلا مضطرب الكلام ، قليل الفهم ، ناقص العقل ، فقال : «نحن نثبت لله وجها ونقول : إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء ، ونقول إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك والفناء ، ونفى عنها الجلال والإكرام ، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء ، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوها وللخنازير والقردة والكلاب وجوها ، لكان قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب . ثم قال : ولا شك أنه اعتقاد الجهمية لأنه لو قيل له : وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء ، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وبين خلقه » .
وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب «أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة ، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبها فكذا هاهنا » ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء ( فالأول ) أنه تعالى قال في هذه الآية { وهو السميع البصير } وقال في حق الإنسان { فجعلناه سميعا بصيرا } ، ( الثاني ) قال : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } وقال في حق المخلوقين { أولم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء } ( الثالث ) قال : { واصنع الفلك بأعيننا } ، { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } وقال في حق المخلوقين { ترى أعينهم تفيض من الدمع } ( الرابع ) قال لإبليس { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } وقال : { بل يداه مبسوطتان } وقال : في حق المخلوقين { ذلك بما قدمت أيديكم } ، { ذلك بما قدمت يداك } { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } ( الخامس ) قال تعالى : { الرحمن على العرش استوى } وقال في الذين يركبون الدواب { لتستووا على ظهوره } وقال في سفينة نوح { واستوت على الجودي } ، ( السادس ) سمى نفسه عزيزا فقال : { العزيز الجبار } ، ثم ذكر هذا الاسم في حق المخلوقين بقوله { يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } ، { يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } ، ( السابع ) سمى نفسه بالملك وسمى بعض عبيده أيضا بالملك فقال : { وقال الملك ائتوني به } وسمى نفسه بالعظيم ثم أوقع هذا الاسم على المخلوق فقال : { رب العرش العظيم } وسمى نفسه بالجبار المتكبر وأوقع هذا الاسم على المخلوق فقال : { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } ثم طول في ضرب الأمثلة من هذا الجنس ، وقال ومن وقف على الأمثلة التي ذكرناها أمكنه الإكثار منها ، فهذا ما أورده هذا الرجل في هذا الكتاب .
وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية ، فنقول المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته ، وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول : المعتبر في كل شيء ، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته ، ولكنه من لوازم تلك الماهية ، وأما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة ، فإنا نرى الحبة من الحصرم كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة ، فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة ، وأيضا نرى الشعر قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض ، فالذات باقية والصفات متبدلة والباقي غير المتبدل ، فظهر بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات . إذا عرفت هذا فنقول : اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة ، لأنا نرى الجسم الواحد كان ساكنا ثم يصير متحركا ، ثم يسكن بعد ذلك ، فالذوات باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد ، والصفات متعاقبة متزايلة ، فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات ، إذا عرفت هذا فنقول : الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف بسبب الأعراض القائمة وهي الألوان والأشكال والخشونة والملاسة وحصول الشعور فيه وعدم حصولها ، فالاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات والأعراض ، فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذوات وبين الصفات ، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار ، ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات ، فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية ، فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها ، بقي هاهنا أن يقال فما الدليل على أن الأجسام كلها متماثلة ؟ فنقول لنا هاهنا مقامان :
المقام الأول : أن نقول هذه المقدمة إما أن تكون مسلمة أو لا تكون مسلمة ، فإن كانت مسلمة فقد حصل المقصود ، وإن كانت ممنوعة ، فنقول فلم لا يجوز أن يقال إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك أو العرش أو الكرسي ، ويكون ذلك الجسم مخالفا لماهية سائر الأجسام فكان هو قديما أزليا واجب الوجود وسائر الأجسام محدثة مخلوقة ، ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يسقطوا هذا الإلزام عن المجسمة لا يقدرون عليه ؟ فإن قالوا هذا باطل لأن القرآن دل على أن الشمس والقمر والأفلاك كلها محدثة مخلوقة فيقال هذا من باب الحماقة المفرطة لأن صحة القرآن وصحة نبوة الأنبياء مفرعة على معرفة الإله ، فإثبات معرفة الإله بالقرآن وقول النبي لا يقوله عاقل يفهم ما يتكلم به .
والمقام الثاني : أن علماء الأصول أقاموا البرهان القاطع على تماثل الأجسام في الذوات والحقيقة ، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لو كان إله العالم جسما لكانت ذاته مساوية لذوات الأجسام إلا أن هذا باطل بالعقل والنقل ، أما العقل فلأن ذاته إذا كانت مساوية لذوات سائر الأجسام وجب أن يصح عليه ما يصح على سائر الأجسام ، فيلزم كونه محدثا مخلوقا قابلا للعدم والفناء قابلا للتفرق والتمزق . وأما النقل فقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل وعند هذا يظهر أنا لا نقول بأنه متى حصل الاستواء في الصفة لزم حصول الاستواء في تمام الحقيقة إلا أنا نقول لما ثبت أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كانت ذاته جسما لكن ذلك الجسم مساويا لسائر الأجسام في تمام الماهية ، وحينئذ يلزم أن يكون كل جسم مثلا له ، لما بينا أن المعتبر في حصول المماثلة اعتبار الحقائق من حيث هي هي ، لا اعتبار الصفات القائمة بها فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن حجة أهل التوحيد في غاية القوة ، وأن هذه الكلمات التي أوردها هذا الإنسان إنما أوردها لأنه كان بعيدا عن معرفة الحقائق ، فجرى على منهج كلمات العوام فاغتر بتلك الكلمات التي ذكرها ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة .
المسألة الثانية : في ظاهر هذه الآية إشكال ، فإنه يقال المقصود منها نفي المثل عن الله تعالى وظاهرها يوجب إثبات المثل لله ، فإنه يقتضي نفي المثل عن مثله لا عنه ، وذلك يوجب إثبات المثل لله تعالى ، وأجاب العلماء عنه بأن قالوا إن العرب تقول مثلك لا يبخل أي أنت لا تبخل فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عنه ، ويقول الرجل : هذا الكلام لا يقال لمثلي أي لا يقال لي قال الشاعر :
ومثلي كمثل جذوع النخيل *** . . .
والمراد منه المبالغة فإنه إذا كان ذلك الحكم منتفيا عمن كان مشابها بسبب كونه مشابها له ، فلأن يكون منتفيا عنه كان ذلك أولى ، ونظيره قولهم : سلام على المجلس العالي ، والمقصود أن سلام الله إذا كان واقعا على مجلسه وموضعه فلأن يكون واقعا عليه كان ذلك أولى ، فكذا هاهنا قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } والمعنى ليس كهو شيء على سبيل المبالغة من الوجه الذي ذكرناه ، وعلى هذا التقدير فلم يكن هذا اللفظ ساقطا عديم الأثر ، بل كان مفيدا للمبالغة من الوجه الذي ذكرناه ، وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء قال لأن كل شيء فإنه يكون مثلا لمثل نفسه فقول { ليس كمثله شيء } معناه ليس مثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا يكون هو مسمى باسم الشيء ، وعندي فيه طريقة أخرى ، وهي أن المقصود من ذكر الجمع بين حرفي التشبيه الدليل الدال على كونه منزها عن المثل ، وتقريره أن يقال لو كان له مثل لكن هو مثل نفسه ، وهذا محال فإثبات المثل له محال ، أما بيان أنه لو كان له مثل لكان هو مثل نفسه فالأمر فيه ظاهر ، وأما بيان أن هذا محال فلأنه لو كان مثل مثل نفسه لكان مساويا لمثله في تلك الماهية ومباينا له في نفسه ، وما به المشاركة غير ما به المباينة . فتكون ذات كل واحد منهما مركبا وكل مركب ممكن ، فثبت أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان هو في نفسه واجب الوجود ، إذا عرفت هذا فقوله ليس مثله مثله شيء إشارة إلى أنه لو صدق عليه أنه مثل مثل نفسه لما كان هو شيئا بناء على ما بينا أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان واجب الوجود ، فهذا ما يحتمله اللفظ .
المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى : { وله المثل الأعلى } يقتضي إثبات المثل فلا بد من الفرق بينهما ، فنقول المثل هو الذي يكون مساويا للشيء في تمام الماهية والمثل هو الذي يكون مساويا له في بعض الصفات الخارجة عن الماهية وإن كان مخالفا في تمام الماهية .
المسألة الرابعة : قوله { وهو السميع البصير } يدل على كونه تعالى سامعا للمسموعات مبصرا للمرئيات ، فإن قيل يمتنع إجراء هذا اللفظ على ظاهره وذلك لأنه إذا حصل قرع أو قلع انقلب الهواء من بين ذينك الجسمين انقلابا بعنف فيتموج الهواء بسبب ذلك ويتأدى ذلك التموج إلى سطح الصماخ فهذا هو السماع ، وأما الإبصار فهو عبارة عن تأثر الحدقة بصورة المرئي ، فثبت أن السمع والبصر عبارة عن تأثر الحاسة ، وذلك على الله محال ، فثبت أن إطلاق السمع والبصر على علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات غير جائز والجواب : الدليل على أن السماع مغاير لتأثر الحاسة أنا إذا سمعنا الصوت علمنا أنه من أي الجوانب جاء فعلمنا أنا أدركنا الصوت حيث وجد ذلك الصوت في نفسه ، وهذا يدل على أن إدراك الصوت حالة مغايرة لتأثير الصماخ عن تموج ذلك الهواء . وأما الرؤية فالدليل على أنها حالة مغايرة لتأثر الحدقة ، فذلك لأن نقطة الناظر جسم صغير فيستحيل انطباع الصورة العظيمة فيه ، فنقول الصورة المنطبعة صغيرة والصورة المرئية في نفس العالم عظيمة ، وهذا يدل على أن الرؤية حالة مغايرة لنفس ذلك الانطباع ، وإذا ثبت هذا فنقول لا يلزم من امتناع التأثر في حق الله امتناع السمع والبصر في حقه ، فإن قالوا هب أن السمع والبصر حالتان مغايرتان لتأثر الحاسة إلا أن حصولهما مشروط بحصول ذلك التأثر ، فلما كان حصول ذلك التأثر في حق الله تعالى ممتنعا كان حصول السمع والبصر في حق الله ممتنعا ، فنقول ظاهر قوله { وهو السميع البصير } يدل على كونه سميعا بصيرا فلم يجز لنا أن نعدل عن هذا الظاهر إلا إذا قام الدليل على أن الحاسة المسماة بالسمع والبصر مشروطة بحصول التأثر ، والتأثر في حق الله تعالى ممتنع ، فكان حصول الحاسة المسماة بالسمع والبصر ممتنعا ، وأنتم المدعون لهذا الاشتراط فعليكم الدلالة على حصوله ، وإنما نحن متمسكون بظاهر اللفظ إلى أن تذكروا ما يوجب العدول عنه ، فإن قال قائل قوله { وهو السميع البصير } يفيد الحصر ، فما معنى هذا الحصر ، مع أن العباد أيضا موصوفون بكونهم سميعين بصيرين ؟ فنقول السميع والبصير لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال ، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله ، فهذا هو المراد من هذا الحصر .
وقوله تعالى : وقوله تعالى : { فَاطِرَ السموات والأرض } خبر آخر لذلكم أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو فاطر أو صفة لربي أو بدل منه أو مبتدأ خبره { جَعَلَ لَكُمُ } وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بالجر على أنه بدل من ضمير { إِلَيْهِ } أو { عَلَيْهِ } أو وصف للاسم الجليل في قوله تعالى : { إلى الله } [ الشورى : 10 ] وما بينهما جملة معترضة بين الصفة والموصوف وقد تقدم معنى { فَاطِرَ } وجعل أي خلق { مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم { أزواجا } نساء .
وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة { وَمِنَ الانعام أزواجا } أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجاً كما خلق لكم من أنفسكم أزواجاً ففيه جملة مقدرة لدلالة القرينة أو وخلق لكم من الأنعام أصنافاً أو ذكوراً وإناثاً { يَذْرَؤُكُمْ } يكثركم يقال ذرأ الله تعالى الخلق بثهم وكثرهم والذرء والذر إخوان { فِيهِ } أي فيما ذكر من التدبير وهو أن جعل سبحانه للناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالد وجعل التكثر في هذا الجعل لوقوعه في خلاله وأثنائه فهو كالمنبع له ، ويجوز أن تكون في للسببية وغلب في { يَذْرَؤُكُمْ } المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل فهناك تغليب واحد استمل على جهتي تغليب وذلك لأن الأنعام غائب غير عاقل فإذا ادخلت في خطاب العقلاء كان فيه تغليب العقل والخطاب معا ، وهذا التغليب أعني التغليب لأجل الخطاب والعقل من الأحكام ذات العلتين وهما هنا الخطاب والعقل وهذا هو الذي عناه جار الله وهو مما لا بأس فيه لأن العلة ليست حقيقية ، وزعم ابن المنير أن الصحيح أنهما حكمان متباينان غير متداخلين أحدهما . مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطباً أو غائباً . والثاني مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب فالأول لتغليب العقل والثاني لتغليب الخطاب ليس بشيء ولا يحتاج إليه ، وكلام صاحب المفتاح يحتمل اعتبار تغليبين . أحدهما تغليب المخاطبين على الغيب . وثانيهما تغليب العقلاء على ما لا يعقل ، وقال الطيبي : إن المقام يأبى ذلك لأنه يؤدي إلى أن الأصل يذرؤكم ويذرؤها ويذرؤكن ويذرؤها لكن الأصل يذرؤكم ويذرؤها لا غير لأن كم في { يَذْرَؤُكُمْ } هو كما { في جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } بعينه لكن غلب ههنا على الغيب فليس في يذرؤكم إلا تغليب واحد انتهى ، ثم أنه لا ينبغي أن يقال : إن التذرئة حكم علل في الآية بعلتين : احداهما جعل الناس أزواجاً . والثانية جعل الأنعام أزواجاً ويجوز أن يكون هو الذي عناه جار الله لأن الحكم هو البث المطلق وعلته المجموع وإن جعل كل جزء منه علة فكل بث حكم أيضاً فأين الحكم الواحد المتعدد علته فافهم ، وعن ابن عباس أن معنى { يَذْرَؤُكُمْ } فيه يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها ، وقريب منه قول ابن زيد يرزقكم فيه ، والظاهر عليه أن الضمير لجعل الأزواج من الأنعام .
وقال مجاهد أي يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن ، ويتبادر منه أن الضمير للجعل المفهوم من { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } ويجوز أن يكون كما في الوجه الأول ويفهم منه أن الذرء أخص من الخلق وبه صرح ابن عطية قال : ولفظة ذرأ تزيد على لفظة خلق معنى آخر ليس في خلق وهو توإلى الطبقات على مر الزمان ، وقال العتبي : ضمير { فِيهِ } للبطن لأنه في حكم المذكور والمراد يخلقكم في بطون الأناث ، وفي رواية عن ابن زيد أنه لما خلق من السموات والأرض ، وهو كما ترى ومثله ما قبله والله تعالى أعلم { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } نفي للمشابهة من كل وجه ويدخل في ذلك نفي أن يكون مثله سبحانه شيء يزاوجه عز وجل وهو وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها أو المراد ليس مثله تعالى شيء في الشؤون التي من جملتها التدبير البديع السابق فترتبط بما قبلها أيضاً ، والمراد من مثله ذاته تعالى فلا فرق بين ليس كذاته شيء وليس كمثله شيء في المعنى إلا أن الثاني كناية مشتملة على مبالغة وهي أن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل إذ الفرض كاف في المبالغة ومثل هذا شائع في كلام العرب نحو قول أوس بن حجر :
ليس كمثل الفتى زهير *** خلق يوازيه في الفضائل
وقتلى كمثل جذوع النخيل *** تغشاهم مسبل منهمر
سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم *** ما أن كمثلهم في الناس من أحد
وقد ذكر ابن قتيبة وغيره أن العرب تقيم المثل مقام النفس فتقول مثلك لا يبخل وهي تريد أنت لا تبخل أي على سبيل الكناية وقد سمعت فائدتها . وفي الكشف أنها الدلالة على فضل إثبات لذلك الحكم المطلوب وتمكينه وذلك لوجهين . أحدهما أنه فرض جامع يقتضي ذلك فإذا قلت مثلك لا يبخل دل على أن موجب عدم البخل موجود بخلافه إذا قلت أنت لا تبخل . والثاني أنه إذا جعل من جماعة لا يبخلون يكون أدل على عدم البخل لأنه جعل معدودا من جملتهم ، ومن ذلك قولهم قد أيفعت لذاته أي أترابه وأمثاله في السن ، وقول رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم في سقيا عبد المطلب : إلا وفيهم الطيب الطاهر لذاته تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك ، وقيل : إن مثلا بمعنى الصفة وشيئاً عبارة عنها أيضاً حكاه الراغب ثم قال : والمعنى ليس كصفته تعالى صفة تنبيها على أنه تعالى وإن وصف بكثير مما يوصف به البشر فليست تلك الصفات له عز وجل حسب ما يستعمل في البشر .
وذهب الطبري . وغيره إلى أن مثلا زائدة للتأكيد كالكاف في قوله :
بالأمس كانوا في رخاء مأمول *** فأصبحت مثل كعصف مأكول
أهل عرفت الدار بالغريين *** وصاليات ككما يؤثفين
وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بجيد لأن مثلا اسم والأسماء لا تزاد بخلاف الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة ، ونسب إلى الزجاج . وابن جنى . والأكثرين القول بأن الكاف زائدة للتأكيد ، ورده ابن المنير بأن الكاف تفيد تأكيد التشبيه لا تأكيد النفي ونفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة فليست الآية نظير شطري البيتين ، ويقال نحوه فيما نقل عن الطبري ومن معه ، وأجيب بأنه يفيد تأكيد التشبيه إن سلباً فسلب وإن إثباتاً فإثبات فيندفع ما أورد ، نعم الأول هو الوجه ، والمثل قال الراغب : أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذاك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط والشبه لما يشارك في الكيفية فقط والمساوي لما يشارك في الكمية فقط والشكل لما يشارك في القدر والمساحة فقط والمثل عام في جميع ذلك ، ولهذا لما أراد الله تعالى نفي الشبه من كل وجه خصه سبحانه بالذكر ، وذكر الإمام الرازي أن المثلين عند المتكلمين هما اللذان يقوم كل منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته وحمل المثل في الآية على ذلك أي لا يساوي الله تعالى في حقيقة الذات شيء ، وقال : لا يصح أن يكون المعنى ليس كمثله تعالى في الصفات شيء لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين كما أن الله تعالى يوصف بذلك وكذا يوصفون بكونهم معلومين مذكورين مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، وأطال الكلام في هذا المقام وفي القلب منه شيء .
/ وفي شرح جوهرة التوحيد اعلم أن قدماء المعتزلة كالجبائي . وابنه أبي هاشم ذهبوا إلى أن المماثلة هي المشاركة في أخص صفات النفس فمماثلة زيد لعمر ومثلاً عندهم مشاركته إياه في الناطقية فقط ، وذهب المحققون من الماتريدية إلى أن المماثلة هي الاشتراك في الصفات النفسية كالحيوانية والناطقية لزيد وعمرو .
ومن لازم الاشتراك في الصفة النفسية أمران أحدهما : الاشتراك فيما يجب ويجوز ويمتنع . وثانيهما : أن يسد كل منهما مسد الآخر والمتماثلان وان اشتركا في الصفات النفسية لكن لا بد من اختلافهما بجهة أخرى ليتحقق التعدد والتمايز فيصح التماثل ، ونسب إلى الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه .
واعترض بأنه لا تعدد حينئذ فلا تماثل ، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا : زيد مثل عمرو في الفقه إذا كان يساويه فيه ويسد مسده وإن اختلف في كثير من الأوصاف ، وفي الحديث
«الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل » وأريد به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها ، ويمكن أن يجاب بأن مراده التساوي في الوجه الذي به التماثل حتى أن زيداً وعمراً لو اشتركا في الفقه وكان بينهما مساواة فيه بحيث ينوب أحدهما مناب الآخر صح القول بأنهما مثلان فيه وإلا فلا فلا يخالف مذهب الماتريدية ، وفيه أيضاً أنه عز وجل ليس له سبحانه مماثل في ذاته فلا يسد مسد ذاته تعالى ذات ولا مسد صفته جلت صفته صفة ، والمراد بالصفة الصفة الحقيقية الوجودية ، ومن هنا تعلم ما في قول الإمام لا يصح أن يكون المعنى ليس كمثله تعالى في الصفات شيء لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين كما أن الله سبحانه يوصف بذلك فإن معنى ذلك أنه تعالى ليس مثل صفته سبحانه صفة ، ومن المعلوم البين أن علم العباد وقدرتهم ليسا مثل علم الله عز وجل وقدرته جل وعلا أي ليسا سادين مسدهما ، وأما كونه تعالى مذكوراً ونحوه فهو ليس من الصفات المعتبرة القائمة بذاته تعالى كما لا يخفي ، وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء لأن كل شيء فإنه يكون مثلاً لمثل نفسه فقوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } معناه ليس مثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا يكون هو سبحانه مسمى باسم الشيء فلم يجعل المثل كناية عن الذات على ما سمعت ولا حكم بزيادته ولا بزيادة الكاف ومع هذا وإغماض العين عما في كلامه لا يتم له مقصوده إذ لنا أن نجعل ليس مثل مثله شيء نفياً للمثل على سبيل الكناية أيضاً لكن بوجه آخر وهو أنه نفي للشيء بنفي لازمه لأنه نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم كما يقال : ليس لأخي زيد أخ فأخو زيد ملزوم والأخ لازمه لأنه لا بد لأخي زيد من أخ هو زيد فنفيت هذا اللازم والمراد نفي ملزومه أي ليس لزيد أخ إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ هو زيد فكذا نفيت أن يكون لمثل الله تعالى مثل ، والمراد نفي مثله سبحانه وتعالى إذ لو كان له مثل لكان هو مثل مثله إذ التقدير أنه موجود ، ومغايرته لما تقدم أن مبناه إثبات اللزوم بين وجود المثل ووجود مثل المثل ليكون نفي اللازم كناية عن نفي الملزوم من غير ملاحظة والتفات إلى أن حكم الأمثال واحد وأنه يجري في النفي دون الإثبات فإن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم دون العكس بخلاف ما تقدم فإن مبناه أن حكم المتماثلين واحد وإلا لم يكونا متماثلين ولا يحتاج إلى إثبات اللزوم بين وجود المثل ومثل المثل وانه يجري في النفي والإثبات كما سمعت من الأمثلة وليس ذاك من المذهب الكلامي في شيء ، أما أولاً فلأنه إيراد الحجة وليس في الآية إشعار بها فضلاً عن الإيراد ، وأما ثانياً فلأنه حينئذ تكون الحجة قياساً استثنائياً استثنى فيه نقيض التالي هكذا لو كان له سبحانه مثل لكان هو جل شأنه مثل مثله لكنه ليس مثلا لمثله فلا بد من بيان بطلان التالي حتى تتم الحجة إذ ليس بينا بنفسه بل وجود المثل ووجود مثل المثل في مرتبة واحدة في العلم والجهل لا يجوز جعل أحدهما دليلاً على الآخر ، لكن قيل : إن المفهوم من ليس مثل مثله شيء على ذلك التقدير نفي أن يكون مثل لمثله سواه تعالى بقرينة الإضافة كما أن المفهوم من قول المتكلم : إن دخل داري أحد فكذا غير المتكلم ، وأيضاً لا نسلم أنه لو وجود له سبحانه مثل لكان هو جل وعلا مثل مثله لأن وجود مثله سبحانه محال والمحال جاز أن يستلزم المحال .
وأجيب عن الأول أن اسم ليس { شَىْء } وهو نكرة في سياق النفي فتعم الآية نفي شيء يكون مثلاً لمثله ، ولا شك أنه على تقدير وجود المثل يصدق عليه أنه شيء مثل لمثله ، والإضافة لا تقتضي خروجه عن عموم شيء بخلاف المثال المذكور فإن القرينة العقلية دلت على تخصيص أحد بغير المتكلم لأن مقصوده المنع عن دخول الغير وعن الثاني أن وجود المثل لشيء مطلقاً يستلزم المثل مع قطع النظر عن خصوصية ذلك الشيء وذلك بين فالمنع بتجويز أن يكون لذاته تعالى مثل ولا يكون هو سبحانه مثلاً لمثله مكابرة ، ثم إن هذا الوجه لكثرة ما فيه من القيل والقال بالنسبة إلى غيره من الأوجه السابقة لم نذكره عند ذكرها وهو على علاته أحسن من القول بالزيادة كما لا يخفي على من وفقه الله عز وجل { وَهُوَ السميع } المدرك إدراكاً تاماً لا على طريق التخيل والتوهم لجميع المسموعات ولا على طريق تأثر حاسة ولا وصول هواء { البصير } المدرك إدراكاً تاماً لجميع المبصرات أو الموجودات لا على سبيل التخيل والتوهم ولا على طريق تأثر حاسة ولا وصول شعاع فالسمع والبصر صفتان غير العلم على ما هو الظاهر وأرجعهما بعضهم إلى صفة العلم ، وتمام الكلام على ذلك في الكلام ، وقدم سبحانه نفي المثل على إثبات السمع والبصر لأنه أهم في نفسه وبالنظر إلى المقام .
ومما قاله أرباب الإشارات في بعض الآيات : وقيل : في قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] إنه يشير إلى التنزيه والتشبيه ، وقرر ذلك الشيخ الأكبر قدس سره بما يطول